2007/12/31
السعودية: اين ستذهب اموال الطفرة النفطية الثانية؟
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 31-12-2007
تميز عام 2007 عن بقية الأعوام السابقة بكونه شهد الإعلان عن أكبر ميزانية نفطية عرفتها السعودية في تاريخها. ويمكن اعتبار هذا العام تتويجا للطفرة النفطية الثانية بعد الأولي في السبعينيات من القرن المنصرم عندما استفاقت السعودية علي موارد هائلة استغل بعضها في مشاريع تنموية والبعض الآخر تم تبذيره بطريقة عشوائية أدت إلي كارثة اقتصادية في منتصف الثمانينيات واستمرت حتي حرب الولايات المتحدة علي العراق عام 2003.
ومنذ تلك الحرب بدأت أسعار النفط ترتفع بشكل ملحوظ إلي أن وصلت هذه الأسعار إلي ما يقارب 100 دولار للبرميل في 2007. وبهذا تم الإعلان عن إيرادات العام الحالي والتي تقدر بـ 621 مليار ريال سعودي للفترة القادمة.
أمام هذه الإيرادات الضخمة تقف السعودية علي مفترق طرق. إما أن تستغل هذه الإيرادات بطريقة عقلانية مفيدة أو تبذرها السلطة السياسية كما فعلت خلال الفترة النفطية الأولي فتتراكم الديون ويزداد عدد القصور والمدن الصناعية ومشاريع التنمية الشكلية دون أن تتمكن الدولة من استيعاب المتطلبات الحقيقية لترسيخ تنمية طويلة الأمد تحد من الاعتماد علي الخبرات الأجنبية وتستوعب الأعداد المتزايدة من الذين يدخلون سوق العمل دون أن يجدوا وظائف حقيقية أو يكتسبوا مهارات تمكنهم من منافسة العمالة الوافدة وتضعهم في موقع منافسة حقيقية مع المؤهلات الخارجية.
قد يصدم من يعتقد أن سلطة سياسية كالسلطة السعودية قد تشعر بالأمان نتيجة السيولة النقدية وتتجه إلي تفعيل إصلاحات سياسية حقيقية تتوافق مع طموحات شرائح كبيرة في المجتمع كانت قد طالبت في السابق بانفتاح سياسي يضمن استيعاب التحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود السابقة وأفرزت تيارات سياسية جديدة ومطالب إصلاحية محددة تنبثق عن مبدأ المشاركة السياسية الحقيقية المتمثلة بمجالس شعبية منتخبة تمثل هذه الشرائح وتحد من السلطة المطلقة والقمع المستشري والتفرد بالقرار. ولكن مع الأسف أتي عام النفط بأسلوب الغطرسة المعهود وتكريس مبدأ الزبونية المعتمد في هذه الدولة النفطية. تزامن عام النفط مع المزيد من القمع وليس الانفتاح والذي حددته السلطة بمفهوم الانفتاح الاقتصادي المحدود والذي يعتمد علي تصدير الفائض النفطي إلي الخارج من أجل استثماره في مراكز آمنة ومربحة ومن ثم جلب الاستثمار الخارجي إلي المملكة ورؤوس الأموال العالمية تحت مظلة التجارة العالمية المعولمة.
في عام النفط طوت السلطة السعودية ملف الإصلاح السياسي إلي أجل غير مسمي واتجهت في الاتجاه المعاكس تماما عندما اعتقدت أن أموال النفط الجديدة ستكون درعا يحميها من مطالب الإصلاح السياسي المرجو. جاء سوق الأسهم المروج له إعلاميا ليمتص أموال المستثمرين الصغار ومن ثم يغرقهم في تذبذباته وتقلباته المتتالية ومن بعدها تبين للجميع أن هناك زبائن معروفين مقربين من السلطة هم وحدهم المحرك الأول والأخير للاقتصاد والتجارة.
استطاعت السلطة السياسية أن تسبغ علي نفسها صفة الانفتاح الإعلامي والذي أعطي الضوء الأخضر ليخترق المجتمع وينشر عاهاته علي الملأ وعندها تراكمت صورة بشعة عن مجتمع تكثر فيه الآفات الاجتماعية والمشاكل النفسية والجريمة وتعاطي المخدرات وتجاوزات المسؤولين الصغار والفساد الإداري والمالي والمحسوبية والواسطة ما يجعله ينافس أكثر المجتمعات تمزقا وقلقا. وقفت السلطة تتفرج علي جدل يحتدم علي صفحات الجرائد دون أن تكون طرفا فيه أو عاملا مهما في تأجيجه. وإن زج أحدهم بالسلطة في موضوعات حرجة واعتبرها شريكا حيويا في المشاكل اليومية نجده يساق إلي سجون المملكة أو يفصل من عمله أو تكسر أقلامه بسرعة فائقة. بقيت مشكلات الفساد الكبير وصفقات الأسلحة المخزية بعيدة عن أقلام الانفتاح الإعلامي أو النقاش المحلي والذي يدور في جدل عقيم بين طرفين تسعد السلطة بتصادمها اليومي علي شاشات إعلامها الفضائي والمحلي. برز تيار أصحاب الفضيلة يدافع عن امتيازاته وفي المقابل حصر معركته مع ما يعرف بأصحاب الرذيلة. احتدمت المعركة بين الطرفين ووقفت السلطة تتفرج علي صراع ملتهب أخذ من موضوعات محددة مادته وسلاحه من قيادة سيارة إلي حوادث اصطدام قاطرات تنقل المعلمات إلي مدارس نائية ومن ثم تتحول إلي ركام علي أميال من الطرق الخطرة. ومن ثم جاء القضاء وأحكامه لتشهد السعودية حالة تدويل حقيقية لقضايا محلية صرفة. فما إن تصدر الأحكام حتي تتدخل السلطة السياسية وتلغيها فيكون تدخلها كفيلا لتتويجها في موقع العدالة وهي بذلك تضمن صورتها ككابح لجماح قوي اجتماعية متخلفة وحام للمجتمع من مزايدات أصحاب الفضيلة. وتنسي السلطة نفسها أنها هي التي تدفع بأصحاب الفضيلة ليسقطوا أحكاما متعسفة بحق مجموعات قد تجتمع لتطالب بتغيير سياسي أو إصلاح حقيقي فتسجن وتتغطرس في أحكامها علي من تصنفهم بمثيري الفوضي والفتن وتتذرع السلطة نفسها بمصطلحات الحرب علي الإرهاب لتحشر ناشطين سياسيين في سجون انفرادية ومن ثم تلتفت إلي مدونين لجأوا إلي العوالم الافتراضية ليدونوا خواطر نقدية وآراء جريئة فتقتنصهم الواحد تلو الآخر وكل هذا تحت شعار الانفتاح الإعلامي المحدد مسبقا علي أنه هجوم من طرف علي آخر دون زج السلطة في المعادلة المعروفة.
آثرت السلطة أن تتجاوز المجتمع ومتطلباته تحت غطرسة عام النفط والتفتت إلي الخارج وهو الأهم في المعادلة من مجتمع محلي كامل تجرد من حقه في التجمع والمطالبة بحقوقه. عام 2007 هو عام الدبلوماسية السعودية الهادفة إلي استجداء الرأي العالمي الغربي بالتحديد والتوسل إليه ليقبل بالمعادلة السعودية والتي حتي هذه اللحظة قد فشلت في تحويل الاقتصاد إلي قوة سياسية. انشغلت السعودية بملف إيران النووي وحرب بوش علي إيران وفي كلا الحالتين نجد أن السعودية هي الخاسرة الأولي. تخيف إيران النووية السعودية وآبار النفط في المنطقة الشرقية ولكن في المقابل نجد أن حربا علي إيران ستكون أكثر جدية وفتكا من مشروع نووي إيراني لم يكتمل بعد. فبينما برزت إيران كقوة إقليمية تخلفت السعودية عن تبوؤ هذا المنصب في منطقة الخليج واضطرت أن تتعامل مع إيران بحيطة وحذر خاصة في القمة الثامنة والعشرين لمجلس التعاون الخليجي. وشدت الرحال إلي مؤتمرات أخري منها أنابوليس المولود الميت لتثبت للغرب أنها شريك في السلام. فشل المؤتمر كما فشلت المؤتمرات السابقة وبقيت السعودية الممثلة في ذلك اللقاء كرقم آخر يضاف علي لائحة الحضور وزبون مهيأ لأي مشروع أمريكي ـ إسرائيلي جديد. في هذا الصراع القديم المتجدد تدخل السعودية مكبلة بالضعف وليس قوة النفط فينتج عن ذلك صورة باهتة في إطار شعارات خلابة.
في خضم أحداث عام النفط قررت السلطة ترتيب بيتها وليس بيوت جيران استغلوا الفراغ العربي الحاصل اليوم علي الساحة فبرزوا بقوة يفرضون قرارهم من العراق إلي فلسطين ويملون مصالحهم علي الجميع. تنبهت السلطة إلي واقع الديموغرافية في البيت السعودي وبشرت شعبها بأن ملوك الحقبة القادمة سينتخبون علي أسس ديمقراطية سرية من قبل هيئة الخمسة والثلاثين أميرا. كرست الهيئة قانون الغطرسة وتجاوزت حتي شعارات الكتاب والسنة التي تدعيه فلا مفتي ممثلا في هذه الهيئة ولا قوي أخري بل خرجت الهيئة بمفهوم جديد لما يسمي بأهل الحل والعقد تحدد في أولاد المؤسس ومن تمنعه حالته الصحية من الحضور سيجد في ابنه خير ممثل وبهذا جاء عام النفط ليتوج وضعا جديدا يدور حول كون الدولة السعودية ليس دولة واحدة وإنما دويلات داخل دولة تتقاسم رئاستها أجنحة كثيرة تتوزع علي وزارات معدودة ومناطق متفرقة.
وبينما تطمح بعض الشرائح الاجتماعية إلي تغيير حقيقي يمكنها من المشاركة في صنع القرار نجد السلطة مشغولة بترتيب بيتها وتقاسم الأدوار بين أعضائها.
إنها غطرسة عام النفط وحلقات الزبونية المستشرية والمستأثرة بالبلاد.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي