2006/06/30

مستقبل السعودية بين الحزبين التقدمي و الرجعي

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 22-06-2005

يوما بعد يوم، وكلما قربت نهاية العهد القائم المتمثل بولاية الملك فهد تظهر صورة الانشطار القائمة علي مستوي القيادة السعودية بشكل واضح وجلي. ففي نظام لا يقر بحق التجمع او انشاء واضح وجلي. ففي نظام لا يقر بحق التجمع او انشاء الاحزاب السياسية نجد ان النظام نفسه قد انشطر الي حزبين لاسباب داخلية خاصة وبكيفية توزيع السلطات والصلاحيات ولاسباب خارجية املتها الظروف والضغوط العالمية. اليوم تنقسم القيادة السعودية الي حزبين حزب يحاول ان يظهر نفسه انه ممثل للتقدمية والتطور اذ انه يتبني ابجديات الاصلاح دون ان يفعل هذه الابجديات بشكل دقيق وواضح، وحزب آخر يتبني الخطاب الرجعي التقليدي. يطمح الحزب الاول من خلال تجمع شخصيات كبيرة منها من يعتمد علي موروث تاريخي هو رصيده الاول في اظهار صورة التقدمية هذه ومنهم من ليس له رصيد او تاريخ تقدمي ولكنه انصهر مع المجموعة واعتبر نفسه بسبب تقدمه في السن من قياديي هذا الحزب، يظهر بوضوح ان الحزب التقدمي يُفعل تقدميته هذه في الخارج اكثر من الداخل وكأنه يخوض معركة انتخابية لكسب اصوات قراء مجلة ديرشبيغل الالمانية او النيوزويك الامريكية. يختص اعضاء هذا الحزب بتبني الخطاب المعتدل الذي يقر بوجود نية الاصلاح الهاديء الذي يناسب الخصوصيات ويدعم هذه النية بدلائل تعكس روح التقدمية المناسبة لوضع المجتمع وتفكيره ومرحلة نموه الحالية. فيستشهد بانتخابات ناقصة مبتورة كانت المشاركة الشعبية فيها مخزية وحوار وطني تحت جناح النظام وفي قبضته وغيره مما يسمي بالانجازات الواقعية والقائمة علي قدم وساق في مجال السياسة والمجتمع. اما علي صعيد الاقتصاد فخطاب الانفتاح والشفافية والسياحة يتصدر الخطاب الدعائي للحزب التقدمي وكل هذه المصطلحات تأتي لتصب في خانة واحدة وهي اظهار هذا الحزب وكأنه الحزب الرائد والذي سينقل السياسة والمجتمع نقلة تاريخية اذا ما استتب له الامر وتوج نفسه في مراكز القيادة. ولكن ليت الامور بهذه السهولة والبساطة.
علي الضفة الاخري نجد ان الحزب الاخر قد أحكم قبضته علي امور الدين والدنيا اذ انه يستعمل الخطاب الذي يروق لشرائح معروفة في المجتمع المحلي فيدغدغ قلوبها بشعارات خلابة. وبين الحين والحين يظهر هذا الحزب بخطاب كي يحسم الجدل في المجتمع حول قضية ما. فان كان الموضوع يتعلق بشرعية انتخابات شاملة فيصرح الحزب هذا علي ان الانتخابات لا تأتي بما هو قادر علي تحمل مسؤولية الموقع ولذلك يكون التعيين افضل الاساليب لضمان ابعاد الاميين عن ادارة الامور. وان كان الموضوع يتعلق بالمرأة او قيادة السيارة فيصرح مسؤول قيادي كبير ان المرأة مصدر الراحة والسعادة والمرأة المحلية ليست كغيرها في الدول الاخري حيث تتخصص النساء هناك ببيع شرفهن . هذا الخطاب الذي يتهم نساء العالم هذه التهمة الشنيعة لا يمكن ان يفسر الا انه تعميم ربما مصدره تجربة شخصية لا تصلح لبناء انطباع عام عن نساء العالم مجتمعة. واذا قارنا هذا الخطاب الموجه للداخل بالخطاب الموجه لقراء مجلة ديرشبيغل تتضح لنا الصورة عن مدي تباعد الحزبين وتباعد قراء الخطابين الموجهين لشريحتين مختلفتين تماما.
يتخصص الحزب الرجعي في اصدار مثل هذه الآراء الجريئة وربما الافضل له في هذه المرحلة الحرجة حيث تبقي السياسة المحلية تحت المجهر العالمي ان يحصر حديثه في الشأن الداخلي والذي يهم العالم الخارجي، مثلا موضوع الانتصارات العسكرية علي الجبهة الداخلية وتصفية خلايا الفئات الضالة ونجاح المطاردات الامنية اليومية التي تنتهي باعتقالات لفئات عنيفة منها المشعوذون والسحرة وعصابات المخدرات ومافيا السرقة والتي عششت في احياء فقيرة تجاوزتها معدلات التنمية واحصاءات الدولة ولكنها بقيت ظاهرة للعيان.
يبقي الصراع بين الحزب التقدمي والحزب الرجعي من اهم التطورات التي ستحدد مستقبل السعودية في السنوات القليلة القادمة ولكن لن يحسم الخلاف ولن ينتج تغير نوعي في نمط ممارسة السلطة بفوز احد الحزبين، الهم الاول للطرفين هو كيفية اعادة صياغة الصورة لمجلس ادارة الشركة بطريقة تناسب المرحلة الحالية وتحدياتها. يراهن الحزب الاول علي صورة التقدمية لصورة كفيلة بتأمين عدد من الاسهم لصالحه في السنوات المقبلة. فيحاول شراء الولاء عن طريق اختراق الرأي العالمي الدولي بمساعدة طيف معين من الداخل اما الحزب الرجعي فيستقطب اطياف الداخل التقليدية والتي ربطت مصيرها بمصيره ترتفع قيمتها بارتفاعه هو وتهبط هذه القيمة ان هبط في المستقبل. فيراهن الحزب الرجعي علي الولاءات التاريخية التي صمدت كلما هبت ريح التغيير علي المملكة.
نطرح السؤال المهم هنا، هل يا تري الانشطار الحزبي هذا ظاهرة جديدة ام انه مرحلة تاريخية تعكس تجارب سابقة؟ الانشطار الحزبي هذا ليس بالامر الجديد فمنذ الانفجار الديموغرافي الذي حصل علي مستوي اعضاء القيادة والذي يزيد عدده عن خمسة الاف شخص كان من الطبيعي ان تبرز التكتلات ذات المصالح الخاصة فتحاول هذه التكتلات ان تعبر عن مصالحها من خلال تبني خطابات اما رجعية او تقدمية. ولو عدنا بذاكرتنا الي الستينات من القرن العشرين لوجدنا ان الصراع علي السلطة بين الملك سعود وابنائه وبعض اخوته من جهة وفيصل وطيف كبير من اخوته ايضا اخذ وجها لا يختلف كثيرا عما هو قائم اليوم.
صراع السلطة في الستينات تبلور من خلال تبني صورتين مختلفتين للمتصارعين، ظهرت صورة الملك سعود بمظهر سييء للغاية وارتبط اسمه بالرجعية والتخلف وتبذير الاموال والمؤامرات والاستهتار بالشأن العام والكوارث الاقتصادية وغيره مما وصف به من أوصاف روجت وقتها لتبرير الانقضاض علي العرش من قبل الحزب الآخر والذي روج صورة لنفسه وكأنه الحزب المؤمن المتحضر الناهض بالامة المؤسس للبنية التحتية ونظام المؤسسات الكابح لجماح المتربصين المبذرين للاموال العامة وغيره من الصور المزهرة. دخلت هاتان الصورتان المخيلة التاريخية من باب اقفال ملف العهد القديم وتتويج العهد الجديد وبقي الحال هكذا دون اي نظرة تحليلية تأخذ هذه الصورة من منطلق الدعاية السياسية وتشكك في مصداقيتها. فرغم ان الصور هذه مبنية علي بعض الادلة الواقعية والموضوعية الا انها تظل منطلقة من اللعبة السياسية بين الاجنحة التي كانت تتصارع علي السلطة حينها، وعندما حسم الخلاف لمصلحة الحزب الحضاري اي حزب الملك فيصل تم تهميش الحزب الآخر والتعتيم علي مرحلته فنفي الآخر من الذاكرة التاريخية حتي ان جامعة اسست وحملت اسم الملك المخلوع قد غير اسمها ولم تستعد اسمها الاول الا مؤخرا ربما من باب المصالحة واعادة ترتيب الحسابات.
اذا وصلنا للمرحلة الحالية نجد ان التناحر لم يعد سرا تردده الالسن خلف ابواب القصور بل هو اليوم ظاهرة واضحة تعكسها تصريحات متضادة تصدر من اعلام هذا الحزب او ذاك وتصرفات لا تخفي علي الجميع. ربما ان التصريحات المتناقضة قد تبقي محدودة الفعل ولكن في عصر كثر فيه الاتصال والتواصل وسفر المعلومة الي ارجاء الارض بسرعة فائقة بدأت التناقضات وكأنها من صميم العمل السياسي بل هي من لب العمل التجهيزي الذي يقوم به الحزبان في سبيل كسب المعركة القادمة وحسم او قيادة البلد. ولكن هل يا تري سيأتي الحسم؟
ان كل الدلائل تشير ان السعودية ستظل تحت قيادة حزبين مستقلين خلال الفترة القادمة وسيظل الوضع علي ما هو حتي بعد تتويج ولي العهد عبد الله في منصب الملك. ورغم بعد هذا عن مفهوم التقدمية الا ان اسمه ارتبط بهذا المنهج من خلال جهود جبارة وعلاقات عامة استطاعت ان تتوجه لرئاسة الحزب التقدمي رغم غياب المخزون الثقافي او البعد التاريخي. ولكن بقدرة قادر ثم بقدرة مجموعة معروفة ارتبط اسمها وتاريخها برصيد ملك سابق استطاع ولي العهد ان يبني سمعة تخوله لقيادة هذا التيار بسبب سنه المتقدم فقط، وليس بسبب المؤهلات الفعلية التقدمية. اليوم يعتمد التيار التقدمي علي مزيج من الموروث التاريخي لبعض اعضاء الحزب الذين هم اليوم ينهلون منه في سبيل توطيد سمعة تقدمية علي حساب الحزب الرجعي والذي ارتبط اسمه بالتصريحات المبتذلة السابقة الذكر.
رغم هذا التضاد الواضح لن يتم الحسم النهائي قريبا اذ ان الحزب الرجعي له من الرصيد العسكري عن طريق هيمنته علي مرافق بوليسية ومخابراتية وامنية ما يمكنه من اللجوء الي الحسم الامني والذي قد يخل بالتوازن القائم حاليا. ويتربع هذا الحزب علي اكبر مؤسسة في البلد متمثلة بوزارة يقدر عدد موظفيها بنصف مليون شخص موزعين علي اجهزة امنية متعددة ووظائف ادارية متفرقة ليس فقط في العاصمة بل في كل مدينة ومنطقة.
ستبقي التعددية الحزبية صفة ملازمة لتطور الاحداث القادمة علي الساحة السعودية وسيظل المجتمع متفرجا سلبيا علي فصول الدراما السياسية وسيحاول البعض الرهان علي مصالح تكتسب نتيجة تصارع القيادة وتشظيها بين التيار التقدمي والتيار الرجعي فبينما يحاول الحزبان استقطاب شرائح اجتماعية معروفة ليس لان الكل يحاول البحث عن بعد اجتماعي يكسبه نتيجة تمثيله لتيار معين اذ انه لا يمثل الا ذاته وحزبه الخاص بل لانه يحتاج لابواق ثقافية واكاديمية وطاقم بيروقراطي يردد خطابه الدعائي وكذلك هو يحتاج الي بوق يضفي عليه شرعية راسخة في الدين. فينتج هذا الالتقاء في المصالح بين الحزب وموظفيه الاول يحتاج الي من يروج لفكره ومنهجه والثاني يحتاج الي من يقدم له وظيفة. والنتيجة تكون علي حساب ظهور تيار اجتماعي مستقل لا يدين بالولاء لهذا الحزب او ذاك له من المصداقية ما يمكنه ان ينقل المجتمع الحالي من مجتمع متفرج الي مجتمع مشارك في صنع القرار. ومن مجتمع سلبي يراقب الحدث ويتابع فصول المسرحية السياسية الي مجتمع ايجابي يتجاوب مع تحديات المرحلة الحالية ويكون له الكلمة الفصل في شؤون البلد وهمومه بدل ان يتركها لمن يستغلها في معاركه السياسية الداخلية ومن يحدد الاولويات حسب معايير هذه المعارك وموقعه فيها.
سيبقي المجتمع في الجزيرة العربية رهين التعددية الحزبية علي المستوي القيادي وسينخرط الكثير من ابناء هذا المجتمع في معارك الغير ومع الاسف المجتمع الذي لا يملك الذخيرة اللازمة ولا المؤسسات الهامة التي تمكنه من التكتل والتجمع لطرح وجهة نظره يبقي مجتمعا مهمشا يستقطبه القوي عسكريا والغني اقتصاديا الاول يهدد ويتوعد ويسجن وينكل والثاني يوزع الاتاوات مقابل الولاء. وان اختلفت الاساليب وتعددت الاستراتيجيات فالنتيجة واحدة وهي تأخر عجلة الاصلاح الحقيقي المتمثل بتمكين المجتمع وتقويته من خلال بناء مؤسسات الشوري الفعلية التي تحاسب وتراقب وتطرح الرؤية. ولا بأس ان تتعدد وتختلف الرؤية علي المستوي الشعبي والاجتماعي ولكن المصيبة تكمن في التعددية الفوقية التي تشل الاصلاح الفعلي ولا تنتشله من حالة الركود القائمة حاليا.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية