2007/12/17

السعودية: خطوة جريئة في مسيرة الاصلاح

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 17-12-2007

بالطبع لا نقصد هنا الهيئة السرية والاعضاء الخمسة والثلاثين التي اعلن عنها بمرسوم ملكي مؤخرا والمناط بها انتخاب الملوك القادمين والتي تناولناها في السابق، ولكننا نشير الي خطوة جريئة تجاهلها العالم كان احد مساجد العاصمة الرياض مسرحا لها وصلاة الجمعة وقتها المناسب. جاء المصلون افواجا وكان بينهم اقلية جريئة ما ان انتهت الصلاة حتي كبر هؤلاء ومن ثم رددوا مغبونون.. مغبونون وليسقط النظام .

استجاب هؤلاء لنداءات الحركة الاسلامية للاصلاح من مقرها في لندن وعبر اذاعتها وبرامجها اليومية وبعد ذلك جاءت افواج رجال الامن لتقمع التكبير وانتهت المواجهة باعتقال سبعة اشخاص بينهم امرأة. انتبه أيها القارئ انها امرأة ليست مهووسة بقيادة سيارة، بل بالغبن الذي طالها وطال الرجال معا. انتشر الحدث وصوره في العوالم الافتراضية بعد ان تجاهلته جميع وسائل الاعلام الغربية والعربية حتي تلك التي كانت في الماضي تشير الي مثل هذه التطورات ولو علي استحياء.

ملف جديد طرأ علي المسيرة الاصلاحية يحتاج الي وقفة تحليل وتقييم. اولا تحية وسلام علي اولئك الذين استجابوا لنداء اعتصام سلمي ادي الي مواجهة متوقعة وقمع مستشر، لقد اثبتت هذه الاقلية ان الانسان قد لا يرضي بتخفيض سعر الارز والشعير وزيادة رواتب آنية تدغدغ حسابه البنكي او معدته الفارغة او معدة قطيع الماشية الذي يملكه والتي وردت تحت بنود ميزانية عام 2008. يستقل النظام السعودي مشاريع التنمية الاقتصادية كواجهة لمواجهة التصادم الحتمي القادم وهو بذلك يعتمد علي نظرية قديمة متجددة قائمة علي مبدأ الرشوة مقابل الولاء. لقد سقطت هذه المعادلة وسيجد هذا النظام انه امام تيارات غير طامحة للرز والشعير وغير مستهلكة لمفهوم الرشوة مقابل الولاء وهنا تكمن الخطورة والحرج اذ انه سيواجه مطالب تتجاوز الاحتياجات الآنية رغم ان هذه الاحتياجات ستصب في مصلحة معارضيه وليس الموالين له. اذ ان الضائقة المعاشية التي تعاني منها شرائح كبيرة نتيجة التغيرات الاقتصادية العالمية وهبوط قيمة الدولار والتضخم وارتفاع الاسعار ستكون كلها تصب في خانة الغضب وليس الموالاة.

ثانيا: ستفتح الاعتصامات التي بدأت يوم الجمعة بابا يطمح النظام ان يبقي مغلقا. مواجهة الاعتصامات ستكون من اخطر المراحل التي ستواجه النظام اذ انها ليست ارهابا يحشد له المجتمع بكافة اطيافه ليدينه من اسلامي الي ليبرالي الي محايد صامت، استطاع النظام من خلال فتاوي علمائه وآلته الاعلامية وبرامجه الوثائقية ان يواجه العنف ويسحب البساط من تحت قدميه. اما الاعتصامات السلمية فهي حراك مختلف تماما ولن يجد سوي فتاوي هيئة كبار العلماء التي سقطت منذ زمن وخاصة في ما يتعلق بموضوع تحريم الاعتصام السلمي، فكيف سيرد هؤلاء علي اصوات التكبير تنطلق من المساجد؟ هل سيحرمون التكبير في دولة التوحيد وهل ستكون المرجعية لمثل هذا التحريم فتوي تقول ان الاسلام لا يقرها لما فيها من فوضي واختلال الامن واتلاف الانفس والاموال واسقاط حرمة المساجد هذه المساجد التي لا تسقط حرمتها عند الدعاء لولاة تجاوزوا المسجد ومن فيه منذ زمن بعيد؟ ام انهم سيقولون انها تقليد للكفار؟ ونحن امة لا تقلد الكفار؟ لا تضحك ايها القارئ نعم انه فقه تجاوز النص رغم انغماسه فيه وتشدق بالآيات والاحاديث ليضمن ديمومة القمع والاستبداد والمصالح الشخصية والمناصب الدينية ليظهر علي العالم وكأنه كاريكاتور اسلامي مهمته تخدير امة كاملة مستغلا بذلك الفاظ تعودنا اجترارها من بدع وضلالة وكفر والي ما هنالك من مصطلحات خدمت السلطة السياسية وليس امة تنظر الي حاضر ومستقبل بعين تري المستقبل بعدسة تختلف تماما عن عدسات هيئة كبار العلماء.

ثالثا: ان لم تنفع فتاوي تحريم الاعتصامات فهل سيلجأ النظام الي البطش والرصاص؟ ليس من المستبعد ان يفعل النظام السعودي هذه الفعلة الشنعاء في المستقبل ولكنه بذلك سيحفر قبره بيديه ويفتح المجال لمواجهات تكون عاقبتها وخيمة عليه وعلي المجتمع. الرصاصة التي ستنطلق ضد معتصم في مسجد ستكون موجهة الي قلب النظام وليس المعتصم وستكون بداية النهاية لنظام كان قد مارس الطعن والاغتيال في المساجد في حقبة تاريخية لن تندثر من ذاكرة شعب هذه المنطقة عند تأسيس ما يسمي بدولة التوحيد. ارهب جنود الامام المصلين في المساجد واغتالوا معارضيهم وهم في حناياها من الرياض الي حائل مرورا بالمدن الحجازية كالطائف وغيرها وكان حينها العمل مشرعنا بفتاوي السلطان وليس هيئة كبار العلماء اذ لا هيئة حينها. وصدم بعض المنخرطين في ما يسمي بجند التوحيد عندما وجدوا المصاحف في مساجد اعتبرها سلطانهم بؤرة للكفر وشن عليها الجهاد.

استعمال القوة لقمع الاعتصامات السلمية سيكون خطيئة قد تفتح ابواب قتل وقتل مضاد لن تنفعه مؤتمرات مكافحة الارهاب ولا استراحات اعادة تأهيل المنخرطين في الارهاب او العائدين من معتقل غوانتانامو ولا حملات مناصحة وسكينة تنتزع فكرة الجهاد من قلوب الشباب وتغرس مكانها فكر الطاعة العمياء ومنظومة الشيوخ أبخص التي تعيدنا الي ثورة ماوتسي تونغ وعمليات غسل الادمغة بمساعدة طاقم الاختصاصيين من علماء الاجتماع والنفس حتي يتحرر البرجوازي من فكر الرأسمالية وينخرط في فكر الشيوعية الاممية. لن يجد النظام السعودي اعلاما غربيا يبيعه المؤتمرات القادمة لمكافحة الاعتصامات ولن يجد سكينة عندما تبدأ المواجهة بين الاخ المنخرط في القوة الامنية وأخيه المعتصم والمكبر والهاتف بالتخلص من الغبن والخنوع. عندها سيجر النظام المجتمع الي حلقة مفرغة ازلية تأخذ ابعاد الثارات والثارات المضادة منحا مختلفا تماما في عصر المعلومة التي تخترق اكبر مراكز التقنية الالكترونية واجهزة الحجب التي تستثمرها الانظمة القمعية.

رابعا: وهذا ربما من اكبر اخطاء قمع الاعتصامات السلمية الذي ينطلق من مساواة العقوبة الذي يعتمد علي مبدأ واحد. عندما تعاقب السلطة المنخرط بالعنف والمنخرط بالعمل السلمي بطريقة واحدة واسلوب واحد فهي تساوي بين جريمة العنف المسلح والعمل السلمي الاصلاحي. سيجد المنخرط في العمل السلمي نفسه وجها لوجه امام آخر آثر التفجير والقتل وفي سجن واحد عندها قد يراجع استراتيجيته ويلجأ الي تبني خيار العنف وتفجير الذات اذ انه سيجد نفسه مبجلا علي صفحات العوالم الافتراضية التي تجعل منه شهيدا في جنان الخلد بينما عمله السلمي لا يلقي هذه الحفاوة والديمومة في ذاكرة رفاقه، وان خرج من السجن سيلومه الكثير علي عمله الجريء ومن بعدها سيشعر بالاحباط نتيجة جرأة لقيت نفس العقوبة التي تنتظر المنخرط بالعمل المسلح.

قمع الاعتصامات السلمية بداية لإفراز شرائح جديدة تتطلع الي حراك من نوع آخر لا يصب في مصلحة مسيرة الاصلاح السلمية وسيكون النظام نفسه المسؤول عن تحول هؤلاء الي اعمال اثبتت محدوديتها كاستراتيجية للضغط علي السلطة المستبدة او حتي اقتلاعها وتقويضها. فما اسهل علي هذه السلطة ان تستغل العنف لتأجيل التغيير الحقيقي المرجو، بل قد تكسب بعض الاهداف كتعطيل الاصلاح وتأجيله الي اجل غير مسمي نتيجة اعمال العنف التي تمزق الساحة وتفكك المجتمع وتضرب مصالحه المشتركة. وباختصار، العنف هذا يصب في صالح السلطة وليس مسيرة الاصلاح اذ ان السلطة تتذرع به وتطرح نفسها كحام للامن الشخصي والاجتماعي والاقتصادي بينما هي بالذات المسؤولة عن توجه بعض شرائح هذا المجتمع الي خيار العنف وممارسته وترويجه، عندها ستستجيب له اعداد اخري تجد في الاعتصامات السلمية استراتيجية تلقي نفس العقوبة دون ان تصبغ علي صاحبها صفة التضحية والحراك السياسي، بل تحول صاحبها الي مثال ليس نابضا بالحرية، بل مثال لمشروع قمع قبل ان يتبلور ويأخذ حيزه علي ساحة العمل السياسي. سد الباب امام اعتصام سلمي وفتح الابواب امام فتاوي تحريمه وترويج مثل هذه الفتاوي ومن ثم اعتقال المعتصمين سياسة فاشلة لكنها قد تعجل في احتضار سلطة لن تنفعها ميزانيات التنمية ولا دعم للرز والشعير. فمتي تستفيق السلطة علي واقع قد تغير وبساط قد سحب من تحت قدميها؟

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية