2007/12/10
مثقفو الخليج حفظـهم الله
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 10-12-2007
بعد اجتماع مجلس التعاون الخليجي في الدوحة وفي نفس القاعة وعلي كراسيها اجتمعت نخبة من المثقفين الخليجيين ليناقشوا تفاصيل جلسة المجلس وضيوفه في حلقة اعلامية علي الهواء مباشرة قدمها علي الظفيري أحد اعلاميي قناة الجزيرة. ورغم غياب ممثلين من قطر والبحرين وعمان الا ان الاربعة المجتمعين استطاعوا ان يغطوا مناقشة الامور التي نوقشت والتي لم تناقش في جلسة زعماء الخليج الستة وضيفهم الايراني احمدي نجاد.
ولا بد لنا ان ننوه ان الحضور ضم اشخاصا لهم باع طويل في الكتابة الاكاديمية والصحافية او العمل السياسي من خلال التمثيل الشعبي والذي انحصر في شخص النائب الكويتي. لم يختلف المجتمعون فيما بينهم ولكنهم اختلفوا في التركيز علي بعض النقاط فقط واعطاء بعض الجوانب اولوية في ردهم علي الاسئلة المطروحة. كلهم اجمعوا ان الزعيم الايراني فرض نفسه علي المنطقة وقدم لها مشروعا يعبر عن حسن نية في المجالين الاقتصادي والأمني وتجاهل مناقشة ما يهم زعماء الخليج كمشروع ايران النووي واحتلالها للجزر الاماراتية وتدخلها الصريح في الشأن العراقي.
جاء انتقاد احدهم للرئيس الايراني مصحوبا باعجاب مبطن بالدبلوماسية الايرانية وانتصاراتها المتتالية وقدرتها علي فرض نفسها علي الساحة الدولية والاقليمية ومن ثم عقب المتحدث علي الثروة الاقتصادية الهائلة التي حصدتها الدول الخليجية والتي لم يستطع حكام الخليج حمايتها بمنظومة امنية محلية. وتريث المتحدث وتلعثم بعض الشيء وهو ينطق بحقيقة لم تعد سرا بل هي من المعطيات الواقعية التي يعرفها المثقف وغيره علي الساحة الخليجية. مثقف آخر اشار الي مجاملات جلسات المجلس وشعاراته الخلابة خلال ربع قرن وابدي قلقه علي الهوة بين الشعارات المرفوعة والواقع علي الارض. فبينما يعتبر احمدي نجاد حقيقة مرئية علي ارض الخليج نجد الشعارات والعملات الموحدة والسوق المشتركة لا تزال بعيدة عن التنفيذ. وعلق آخر علي كون المجلس ما زال مهمشا علي الصعيد الاقليمي والعالمي رغم ثروة اعضائه المتصاعدة. وبذلك اوضح المتحدث ان القوة الاقتصادية لا تؤدي الي قوة سياسية او دبلوماسية بطريقة تلقائية وعفوية اذ تبقي طاقة الخليج العربي الاقتصادية مرتفعة ومعزولة عن قدرته العسكرية لاسباب لم يوضحها المتحدث رغم انه اشار اليها بطريقة عابرة لا تفتح ملفات خوف دول الخليج من قوة محلية فائقة التدريب والمهنية مهمتها حماية القوة الاقتصادية وكيف لجأت هذه الدول الي الطائرة العسكرية قبل ان تهيئ لها الطاقم الارضي الفعال لسبب لا يغفله احد في المنطقة وخارجها. وعاد مثقفو الخليج المجتمعون الي احمدي نجاد مرة بعد مرة ويبدو انه اختطف الاضواء بل انتشل القمة الخليجية من حالة الشلل التي وصل اليها مجلس التعاون الخليجي. فكان احمدي نجاد رحمة للعباد خلال يومي اللقاء التاريخي. احتج احدهم علي غطرسته وهو يعلم ان السلطة والقوة غطرسة.
جاء الحديث تحليليا ولكنه تطعم ببعض النقد الخفيف علي الطريقة الخليجية الا ما طرحه النائب الكويتي. خرج الصانع من مجاملات الآخرين وطرح موضوعا مهما عندما ذكر شعوب المجلس المغيبين عن قرارات المجلس وتوصياته. وتساءل عما اذا كان سيعود الرؤساء الي شعوبهم ويسألونهم رأيهم في العملة الموحدة والسوق المشتركة والوحدة الاقتصادية الحقيقية ومن ثم عرج علي الفساد المستشري في المنطقة وموقع دول الخليج في لائحة الدول الاكثر فسادا وانعداما للشفافية. تجنب النائب الكويتي اللف والدوران والحروف المتقاطعة والجمل المركبة ولجأ الي اللغة العامة والمحكية ليخرج من منظومة الرمز والاشارة والايماء. هو وحده استطاع ان يتكلم بجرأة ربما لانه يمثل شريحة انتخبته اما الباقون فظلوا يلفون حول الموضوع ويدورون بمهارة اكتسبوها من خلال التعايش مع قمع مستشر ومشاركة شعبية غائبة ومؤسسات اجتماعية وسياسية منعدمة. استطاع النائب الكويتي وحده ان يفصل العلاقة الحميمة بين الاستبداد واللغة ويخرج من ثنائيتها القاتلة. ان كانت للاستبداد مؤسسات قمعية واجهزة استخباراتية وبوليسية ووزارات شامخة في البلد الذي ينتمي اليه اثنان من المجتمعين فله ايضا لغة خاصة به. هي لغة المواربة والتمييع والتعميم وعدم الخوض في الجزئيات والاكتفاء بالعموميات وتجنب الاسماء وان ذكرت الشخصيات فيزج بها في القاب عامة ويأتي بيت القصيد عندما تذكر الالقاب ومن ثم فورا تلحقها الدعوات الي الله فكم مرة كرر المجتمعون مقولة حكام الخليج حفظهم الله علي جمهور تعود الصلاة والسلام علي أفضل المرسلين وخلفائه الراشدين. جاءت اللغة لتفضح العلاقة الحميمة مع الاستبداد والخوف من الكلمة التي قد تؤدي بصاحبها الي سجن غير متوقع تماما كما حدث في برامج سابقة حيث يعود الضيف الاعلامي الي بلاده ويدخل السجن ويبدأ مشروع كتابة رسائل من السجن كما كان يفعل طيف كبير من سجناء الرأي في ماضينا وحاضرنا وان خرج المسجون فسيجد ان تجربته مع الاعلام قد انتهت بموجب قرار فوقي وقدرته علي الترحال قد تلاشت لان جواز سفره قد صادرته الهيئات العليا ولن يراه في المستقبل القريب.
قبل ان يطالب المجتمعون بتفعيل دور مجلس التعاون الخليجي وجدوا انفسهم وجها لوجه مع لغة كرست الاستبداد ورفعت السلطة فوق البشر فتداولوا الدعوات لحفظ الله واصبحت هذه الدعوة فاصلة بين جملة وجملة ونقطة في نهاية الجمل بطريقة مبتذلة رغم انها عفوية كرسها تراث طويل من الانحناء لارادة القوي واعتباره خارج الزمان والمكان والخوف من سلطة الذي لا يخضع لقانون او محاسبة بل هو حسب المزاج في لحظة معينة يفرض اما غض البصر عن زلة مثقف او اقتناصه حين يعود الي الوطن.
باستثناء من فتح الملفات الساخنة مدعوما بقاعدته الانتخابية نجد بقية المجتمعين غير قادرين علي التحرر من عبودية اللغة المرتبطة اولا واخيرا بمنظومة سياسية لا تزال متغطرسة اسكرتها حقول النفط. نقدر تعطش اخواننا في الدين والثقافة والوطن الي منظومة سياسية جديدة كبرلمان منتخب وتمثيل في المؤسسات المستقلة وحرية الاجتماع والرأي واستقلالية القضاء. نحن وهم نعي ان حفظهم الله لا يريدون مثل هذا التطور وسيجدون الذرائع لتأجيله الي اجل غير مسمي. سيخيفونكم بشبكات الارهاب التي تكتشف بين الحين والحين لتذكركم بمستقبل مظلم، سيظلون يرهبونكم باحكام قضائية صارمة ومسرحيات قطع الرؤوس والاطراف في الاماكن العامة لانها شاهد علي القوة والبطش وخير دليل علي رمزية السلطة. وستظل اللغة مرتبطة بالقوة والبطش حتي تتدحرج الكلمات علي الالسنة ببطء وتلعثم قبل ان يقذف بها الي الخارج وعندها تخرج من سيطرة المثقف وتصبح ملكا للجميع والويل والثبور ان كانت نابية بحق حفظهم الله او متعدية لحدود اللياقة السياسية وآداب السلاطين حينها تتحول بقدرة قادر الي حالة خروج لا رجعة بعدها حتي بعد حلقة توبة متلفزة او اطروحة مراجعات صارمة مع الفكر والاتجاه.
يأتي تحرير الكلام والمرويات الشفهية من الاستبداد كخطوة اولي تسبق المطالبة بالمؤسسات والبرلمانات والشفافية والمشاركة الشعبية وحقوق الانسان. اللغة مرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي وان لم يكن بالامكان في هذه اللحظة تغيير السياسة والمجتمع فلتكن البداية من اللسان الذي يعبر عن فكر قد يتحرر من قيود الاستبداد قبل ان يتحرر الجسد والانسان، قد يكون الفكر حرا طليقا وهو بالفعل ما جمع اعضاء الجلسة الاعلامية ولكن ظل اللسان حبيس الاستبداد والخوف مضطرا ان يفيض بعبارات الثناء والاطراء والتي ليس بالضرورة ان تكون ضمانا عند العودة الي الوطن او استمارة تأمين علي الحياة بعد حلقة اعلامية قصيرة.
لماذا خطاب الجمع والكل يعلم من هو المقصود بالتحديد والانفراد. لماذا التعميم والمجتمع يعاني من غطرسة ارقام محددة معروفة للقريب والبعيد. نهضة مجلس التعاون الخليجي لن تبدأ الا عندما يفك مثقفوه حفظهم الله الارتباط بين لغة الاستبداد والتسلط ولغة الفكر الحر. عندها فقط لنا حديث عن غطرسة ايران ورئيسها احمدي نجاد عن خليج لا يزال اسمه حبيس اللغة ذاتها التي توارثناها وهي بدورها تزيد من خنوعنا، بين الفارسي والعربي ضاع الخليج وضاعت اللغة.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي