2007/11/26

شيخ مشايخ مجلس صحوة أنابوليس

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 26-11-2007


سيفتتح بوش مؤتمر أنابوليس وسيعلق امالا كبيرة علي نجاحه خاصة وانه استطاع ان يجمع شيوخ العرب ذوي الثقل النفطي والبشري فحصل علي شريحة متباينة ولكنها مكملة بعضها بعضا. سيتربع بوش وكأنه شيخ المشايخ في مجلس صحوة جديدة تنأي بنفسها عن التطرف والاحلام كعودة القدس واللاجئين وحتي الارض المحتلة ويناط بها مهمة ترويض البقية المتبقية من المعارضين والمشككين والغائبين عن المسرح او بالاصح مهرجان ماريلاند القادم.

يفتقد شيخ مشايخ انابوليس للمصداقية والشرعية اذ انه منذ البداية يصطف خلف حليفه الأزلي الاسرائيلي دون مواربة او تمويه. لا تفوته اي فرصة لتذكير العرب انه ملتزم بأمن دولة عنصرية محتلة تبقي حدودها حتي هذه اللحظة غير مرسومة او محددة بالاضافة الي هذا الانحياز والذي يخرجه من دائرة الحوار الموضوعي لمشكلة المنطقة العربية نجده من خلال مغامراته السابقة والقادمة قد اسقط الاسطورة الامريكية من معجم الشعوب التي ربما كانت يوما ما تتطلع لبلاده وكأنها الحلم المنشود. نعم هناك مئات بل آلاف الشبان الذين يتوقون الي تأشيرة مرور تنقلهم الي بلاد الرفاهية والرخاء بعيدا عن الفقر والعوز في بلادهم ليحققوا نصيبهم من ما يسمي الحلم الامريكي. ولكن اسطورة امريكا قد تمرغت في وحول كثيرة بدءا بالارض التي يطمح شيخ المشايخ ان تحل قضيتها في أنابوليس مرورا بالعراق وافغانستان وغيرهما من البقاع الساخنة. ارتكزت اسطورة الرئيس بوش علي اربعة اعمدة تبدو كلها اليوم اعمدة واهية لن تنفعها عملية ترميم في انابوليس او غيرها. العمود الاول اقر ان النظام السياسي الامريكي هو الاحسن والاكثر ملاءمة لنشر الديمقراطية وتعميمها حيث اصبح هذا النظام السياسي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي النظام الذي يجب ان تتعطش اليه الشعوب المضطهدة. حلم الامريكيون ان تستنسخ بلاد العالم نظامهم السياسي لصيبحوا مرآة لامريكا وبذلك تتم لهم فرصة تحقيق الحلم السياسي الذي يثبت في مخيلة العالم أفضلية هذا النظام وكأنه نص مقدس ازلي خارج عن سياق التاريخ والثقافة المحلية وحمي الانتخابات ومهرجاناتها. سقط العمود الاول السياسي في بلاده اولا وفي العالم ثانيا.

اصابه الطيش في لحظة حاسمة عندما ضربت طائرات ابراجه الاقتصادية لم يتحمل الصدمة عندها اختفت منه منظومة العدل والمساواة وتبلورت صورة جديدة تختلف تماما عن صورة الاسطورة السياسية القديمة. عادت امريكا الي التعذيب في السجون والتجسس علي مواطنيها وانتهاكات حقوق الانسان والعنصرية الانتقائية فكشرت عن انيابها في لحظة طيش اسقطت الحلم الامريكي بسرعة فائقة رغم كل محاولات التبرير وخطابات الدعاية وتلميع الصورة. اما العمود الثاني ارتكز علي القوة الاقتصادية والسوق الكبير وحرية انتقال وهجرة رؤوس الاموال لتنشر الثروة والفرصة ليس فقط في داخل حدودها بل خارجها ايضا حسب ابجديات الاسطورة الاقتصادية. قامت الاسطورة الاقتصادية علي مبدأ رأسمالية فجة تبتلع الحيتان فيها الاسماك الصغيرة ولم يدخل في حناياها ضمان اجتماعي او رعاية صحية او بيئة نظيفة. لم يصمد الحلم الاقتصادي امام مأساة السود في نيو اورلينز لكنه صمد بقوة في حرائق كاليفورنيا الغنية فانقسمت الرعية الي قسمين قسم مهمش فقير يستجدي المعونات وقسم غني لا تهزه كارثة بيئية آنية والقسم الاول يتمرغ في البطالة التي تدفعه الي استجداء وظيفة جندي صغير تنتشله من العدم في مدن قاسية ليجد نفسه ضيفا غير مرغوب به في دهاليز بغداد ومرتفعات افغانستان. اما العمود الثالث لاسطورة شيخ المشايخ فقام علي ثقافة الاستهلاك واستهلك القوم الكثير حتي هلك من هلك تحت ضغط ديون تراكمت علي بطاقات البلاستيك ومبان شامخة لا تزال مرهونة لبنوك تشعبت مصالحها وتعانق اسيادها وتحالفوا علي المزيد من الابتزاز. اسطورة المجتمع الثري المستهلك ولدت نفسيات محطمة وامراضا نفسية معقدة وتهافتا لا يخمد ولا يكل يسعي الي تحصيل الشيء وما ان يحصل عليه يمل منه ويقذف به ومن ثم يعود يلهث خلف شيء آخر عله بذلك يجد سعادة اولا واخيرا بالممتلكات والملكية. لقد اهلك الاستهلاك القوم حتي راحوا يبحثون عن شهوة جديدة علهم بذلك يطفئون نار الامتلاك بتجربة جديدة او شطحة شرقية يستمدونها من عالم آخر خارج حدودهم. منهم من استورد طرقا جديدة ومنهم من اخترع مقدسا آخر يعبده ويحج اليه كلما استعرت الشهوة علي صاحبها. منهم من شد الرحال الي جبال الهملايا ومنهم من وجد في أدغال افريقيا مرتعا جديدا بعيدا عن المجتمع الثري المستهلك، ومنهم من اخذ علي عاتقه محاربة هذا المجتمع وتغييره وكأنه مكلف بموجب صك الهي كنبي أو رسول من السماوات. تعاظمت النبوة في دهاليز الثراء والاستهلاك وارتفعت اصوات التبشير والمبشرين بنهاية العالم القريبة خاصة ان لم يتحول هذا العالم الي مرآة تعكس الاسطورة والحلم.

اما العمود الاخير في اعمدة الاسطورة الامريكية ارتكز علي اهمية الايديولوجية الكذبة الكبري وهي الحرية الفردية المصانة بالنظام السياسي. تعتاش هذه الكذبة علي من يروجها في دهاليز السياسة والفن والطرب والمسرح والسينما. جاءت هوليوود كذراع صامدة روجت الكذبة علي خلفية احلاف مع اكثر الدكتاتوريات العالمية شراسة وانتهاكا لحرية الفرد والمجموعة. وما علي شيخ المشايخ الا ان ينظر حوله في مجلس صحوة انابوليس ليري مدي صدق الكذبة وتلاؤمها مع الوجوه المجتمعة بدءا بالشيخ المدلل او الشيخة المدللة من اسرائيل الي السعودية. معظم الاساطير تتلاشي امام وجوه الواقع المجتمعة في مؤتمر السلام. أحلاف امريكا القديمة والحديثة علم سيرفرف علي انابوليس ملوحا بسقوط الاسطورة قبل ان تبدأ اجتماعات المجلس. انهيار الاعمدة الاربعة للاسطورة الامريكية يبدأ من فلسطين وبالتحديد من غزة حيث لا نظام سياسيا ولا دولة تحتضنه ولا اقتصاد كبيرا ولا ثقافة استهلاك ولا اكذوبة الحرية الفردية قد تجد طريقها الي سجن كبير محاصر.

لم يبق للاسطورة الامريكية سوي القوة العسكرية وعسكرة الحلول. لكن هذه العسكرة جبانة وقاصرة ما ان تحط طائراتها علي الارض حتي يتضح مدي ضعفها ووهنها. فسرعان ما تلجأ الي المجمعات المسورة والمحميات المسيجة، والي تركيبات اجتماعية ودينية علها تمرر مشروعها من خلال تحالفات جديدة تنميها قوة دولار هو ايضا في طريقه الي الهاوية. ستجد الاسطورة الامريكية نفسها وجها لوجه امام الواقع المرير والذي لن يغيره مجلس انابوليس. علي امريكا ان تتخلص من شيخ المشايخ بهزة فكرية علها تصل الي صحوة حقيقية تختلف اختلافا تاما عن اساطير الماضي الساقطة. اما الشيخة المدللة اسرائيل فعليها هي ايضا الاعتراف بالحقيقة وهي انها اليوم لا تطلب حلا للقضية الفلسطينية اذ انها استطاعت ان تستمر في مشروعها وتتعايش مع آلاف الفلسطينيين المحاصرين في القطاع وغزة بل هي تطلب اختراق السوق السعودية والخليجية. ومن هنا تكمن اهمية مجلس انابوليس والذي قد يضمن لها هذا الاختراق ويحقق حلمها في تطبيع سريع وشامل مع الدول المستهدفة. ورغم تطبيع علاقاتها مع بعض الدول العربية الا ان سوق النفط وفرصها ستبقي الحلم والجوهرة الحقيقية المرجوة. استطاعت اسرائيل بقوتها العسكرية والدعم الامريكي ان تصبح جزءا من جغرافية العالم العربي الا انها لا تزال خارج نسيجه الثقافي والاقتصادي والفكري، وستظل هكذا الي امد بعيد. ليس باستطاعة شيخ مشايخ انابوليس ان يجعلها جزءا من هذا النسيج مهما طوع لها المشايخ الباقون .

ان اكثر ما تستطيع اسرائيل ان تحلم به هو هدنة وليس سلاما دائما ينصف المتضررين من وجودها خلال نصف قرن. لا نؤمن بالصراعات الازلية وسيناريوهات الابوكاليبس التي تروج لها شرائح كثيرة في امريكا وانما نؤمن بحقوق الشعوب وقدرتهم علي انتزاعها ولو بعد حين. المطالبة بهذه الحقوق ستبقي بعد ان يتذكر شيخ المشايخ وربعه في مجلس انابوليس فكلهم زائلون وهي الباقية.

ومهما فتحت لها اسواق وابواب فسيظل باب واحد مقفلا الي ان ترجع الحقوق الي اصحابها وهو باب السلام العادل والذي من المستحيل ان يكون حاجبه الرئيس الامريكي جورج بوش صاحب الاعمدة المتهاوية.

 كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية


أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية