2007/11/05
السعودية وبريطانيا: ما بعد المشيخة والمحمية
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 05-11-2007
صراخ الصحافة البريطانية واحتجاج بعض المسؤولين في الاحزاب المعارضة ضد زيارة الملك عبد الله الي بريطانيا ان دل علي شيء فهو يدل علي تذمر اطياف واسعة في بريطانيا من سياسة قديمة طبقتها الحكومات البريطانية السابقة تجاه مستعمراتها ومحميتها التي كانت بريطانيا تحكم العالم من خلالها. ابتداء من مهراجات الهند الي مشيخات العرب. قامت السياسة البريطانية علي مبدأ مهم وطبقته في جميع المستعمرات والمحميات وهو مبدأ الحكم من خلال ما يسمي بالاعيان والشيوخ الذين وجدتهم او اوجدتهم عن طريق رفع شأنهم من خلال المعونات والاحتضان لهم ولحكمهم. لم تكن بريطانيا تطمح لان تغير النسيج الاجتماعي والسياسي في محمياتها ولكنها كانت مستعمرة متشوقة للتجارة والمواد الاولية الخام والتي استطاع تجارها ان يحولوها الي عاصمة الامبراطورية لتستفيد منها شركات وبنوك قد اسست منذ اكثر من ثلاثة او اربعة قرون.
لم تتبن بريطانيا يوما ما الخطاب التحضيري التنويري ولم تكن مهتمة بتحضير المحميات ليصبحوا مرآة لها. كان همها تثبيت القانون والسلم اللذين يؤمنان التجارة لها ولشركاتها ولكنها ظلت غير معنية بالشأن الداخلي كقمع المهراجات لرعيتهم او استبداد المشيخات وتسلطهم علي حاشيتهم. فلا حقوق المرأة او غيرها استحوذت علي لغة الاستعمار البريطاني وتكرست في خطابه التبريري. وهذا عكس ما فعلته فرنسا في مستعمراتها او ما تفعله حاليا الولايات المتحدة في امبراطوريتها الجديدة. وان تعرض الاستعمار لحقوق الانسان في المحميات البريطانية فكان هذا دوما وسيلة ضغط آنية تفرضها السياسة الداخلية البريطانية وتصارع احزابها المتناحرة وليس حبا بالمرأة الهندية او شفقة عليها عندما كان يرمي بها في نار ملتهبة بعد وفاة زوجها وتصارع القوي السياسية في بريطانيا نفسها كان يؤدي في بعض الاحيان الي تبني سياسة تحاول ان تتدخل في النسيج الاجتماعي للمجتمعات التي استعمرتها بريطانيا. ظل الحال هكذا حتي العصر الحديث وخاصة عندما جاء حزب العمال البريطاني الي الحكم علي خلفية حكم المحافظين الذين سطع نجمهم مع فترة حكم مارغريت ثاتشر. وحاول حزب العمال ان يتجاوز الركيزة الاساسية وهي ترك الشأن الداخلي وخاصة الاجتماعي منه الي اهله الا انه تبني خطاب السياسة الخارجية الاخلاقية التي تعتمد علي مبادئ لم تكن بريطانيا مهتمة بها في علاقاتها السابقة مع دكتاتوريات العالم الثالث. ولكن لم يكن الفعل السياسي مطابقا للسياسة الاخلاقية المعلن عنها من قبل توني بلير ومن خلفه حاليا. وظلت بريطانيا رهينة الممارسة السابقة والتي ترتبط بتأمين المصالح التجارية والعلاقات الاقتصادية دون ان تأبه بكيفية تطبيق والتزام المهراجات والمشيخات بحقوق الانسان او المرأة او الاقليات.
جاءت الانتقادات الحادة من قبل اطياف مختلفة في بريطانيا لزيارة الملك عبد الله لتمثل التصارع بين مثالين للتعامل مع الدكتاتوريات اولها ينأي بنفسه عن التعاطي بما يسمي انتهاكات حقوق الانسان وتغييب العدالة وهضم حقوق الاقليات اذ انه يعتبرها جزئيات لا تؤثر علي مصالحه الاقتصادية وعلاقاته التجارية مع بلد كالسعودية. ولا يجب ان تكون محورا مهما في تحديد الموقف من نظام قمعي كالنظام السعودي. لذلك هو يتجاهل مثل هذه الجزئيات ويفضل ان يفرش السجاد الاحمر والطقوس الملكية التي يدفع ثمنها المواطن البريطاني لزعماء المشيخات الذين توجه لهم الدعوة الي الحضور الي العاصمة البريطانية. اما الاتجاه الثاني والذي ليس بالجديد بل له تاريخ طويل في بريطانيا يحاول دوما ان يتطلع الي المثاليات في تعامله مع المحميات او المشيخات لذلك جاءت انتقادات حزب الليبراليين البريطاني لتكرس استمرارية تاريخية كانت دوما تتطلع الي المثل العالمية والتي كرستها ارتباطات بريطانيا عن طريق معاهدات دولية واوروبية بقيم عالمية تتعلق بعدم التمييز بين البشر علي اسس عرقية او غيرها. انتقادات الصحافة الليبرالية المستقلة واليسارية تنطلق من هذا الموقف القديم والذي لا يزال يتبناه طيف واسع في المجتمع البريطاني.
لقد سقطت زيارة الملك عبد الله بين هذين التيارين المتصارعين في بريطانيا احدهما يتبني رأسمالية فجة لا يهمها حقوق الانسان بل كل ما يشغلها هو فرص الاستثمار وقد تستفيد من انتهاكات حقوق الانسان في بلد ما خاصة اذا كانت تطمح لاستثمارات لا تتقيد بقيود العمل المعمول بها في العالم المتحضر وقد تستفيد من توظيف الاطفال او النساء في مراكز عمل او مصانع في بقاع العالم، حيث لا قانون ولا حماية للعامل. وكذلك يستفيد هذا التيار من فرص الاستثمار في بلد كالسعودية، حيث لا قانون يضبط العمليات سوي قانون العلاقات الشخصية التي تنمو بين الجانب البريطاني ونظيره السعودي. فصفقات الاسلحة لا يقيدها برلمان ولا تخضع لأي قانون في السعودية لذلك هي صفقات خيالية تتسابق عليها الشركات ومن ينجح منها في توقيع العقد تكون له عادة علاقات شخصية حميمة مع نظيره في الجانب الآخر. لذلك يبتعد هؤلاء عن اي خطاب انتقادي للجانب السعودي وكيف يفعل ذلك وهو المستفيد الاكبر من الضبابية السعودية وانعدام الشفافية. فليس من مصلحة هذا التيار ان تكون بالسعودية مؤسسات منتخبة او آلية تفضح الفساد المالي والاداري. ولكن يقابل هذا التيار النفعي تيار آخر يحاول تسليط الضوء علي تجاوزات النظام السعودي في مجال حقوق الانسان وتعذيب المساجين ومنهم بريطانيون عملوا في السعودية ليبين لجمهوره مدي خطورة النظام السعودي علي شريحة كبيرة بريطانية تعمل في السعودية خاصة عندما يجد هؤلاء انفسهم خلف القضبان في الرياض او جدة لذلك يعتقد مناصرو هذا الاتجاه ان مصلحة بريطانيا العظمي والتي تقلصت في النصف الثاني من القرن العشرين تكمن في تشجيع الديمقراطية وحقوق الانسان حتي في المحميات السابقة كالسعودية من اجل اهداف بعيدة المدي تصب في مصلحة المصالح البريطانية اولا وثانيا في مصلحة مواطني المحمية. وبذلك تصبح صورة بريطانيا احسن بكثير عندما تمتطي صهوة جواد حقوق الانسان والديمقراطية والشفافية من دكتاتوريات لا يحترمها اصحاب هذا التيار والذي يشكل اقلية صغيرة في بريطانيا عكس التيار الاول المبتعد عن اشكاليات الديمقراطية في المحميات ومقتربا اكثر من مصالحه الاقتصادية البحتة. ولكن يبدو ان التيار المهتم بالعلاقات الخارجية الاخلاقية قد وجد حيزا اكبر مؤخرا وارتفعت اصواته اكثر واكثر وهذا لا شك يعود للحراك السياسي والاجتماعي الذي يحصل حاليا في الجزيرة العربية بشكل خفي او معلن.
لقد اوصل الكثير اصواتهم للغرب وخاصة بريطانيا بحكم التقارب اللغوي والاتصال التاريخي واثر هؤلاء علي الرأي العام خاصة بعد ان تبنت الصحافة والاعلام البريطاني بعض القضايا السعودية الصعبة وعرضتها علي جمهورها لتعلم حقيقة النظام السعودي الذي غيبته السياسة البريطانية عن جمهورها المحلي واسدلت ستارا عليه. وليعلم هؤلاء الناشطون في الداخل السعودي ان كل رسالة الكترونية يرسلونها الي الخارج هي عملية جليلة تفضح هذا النظام امام جمهور لا يكن لنظامه اي تقدير او احترام، بل يزدريه ويحتقره بسبب تجاوزاته المعروفة والمستترة. انه الاعلام المفتوح والذي لن تضلله حفلة في قصر باكينغهام او طقس من طقوس الملكية الفاخرة او خطاب احتفالي يمجد ويعظم اكثر الانظمة العربية قدرة علي التضليل والتدليس والكذب. ولتعلم بريطانيا ان عصر المهراجات قد ولي ولن يعود وما تبقي منه هو في طريقه الي الزوال والتلاشي ولا بد لحقيقة المحميات المخزية ان تظهر الي العلن مهما كثر التنافس علي النفاق بين بريطانيا والسعودية.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي