2007/10/29
السعودية: خطر البعير علي الوحدة الوطنية؟
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 29-10-2007
يجري حالياً في السعودية جدل محتدم يدور حول مهرجانات مزايين الابل حيث تستعرض القبائل بعيرها وتفتخر بأصالتها ورشاقتها وجودتها فتسقط القبائل علي البعير معاني كثيرة تتجاوز هذا الحيوان وتاريخه القديم ومركزيته في الاقتصاد الرعوي المنقرض هذا بالاضافة الي أهميته في الهيمنة العسكرية علي مساحات شاسعة من اراضي الجزيرة العربية كذلك توفيره للقدرة علي التنقل وتجاوز السلطة المركزية بل تقويضها من خلال اعتراض طرق التجارة والنقل بين المركز السياسي والطرف النائي. في الماضي كان لبعير الجزيرة صولات وجولات ارتبطت اهميته ليس فقط بكونه مصدراً للرزق بل لكونه الركيزة الاساسية لحياة اجتماعية وسياسية اهم معالمها استقلالية الفرد الممتلك للبعير اقتصاديا وسياسيا وتفوق المجموعة صاحبة القطيع الاكبر والذي به تستطيع ان تفرض هيمنتها ليس فقط علي المجموعات الممتلكة للخرفان والماشية الاخري بل ايضا علي من استوطن الواحات وفقد قدرته علي التنقل في الصحراء دون حماية المجموعات الممتلكة للبعير. وبناء علي هذا البعير نمت طبقة اجتماعية وتمايز بين المجموعات البشرية حيث احتلت بعض المجموعات الصدارة علي حساب المجموعات الاخري الفاقدة لسفينة الصحراء المشهورة وادخلت الاولي الثانية في نطاق هيمنتها وفرضت عليها اتاوة تقوم علي اساسها علاقات حماية تتأرجح بين الاخوة والاستبداد والقمع.
الكل يعلم ان عصر البعير قد ولي. اقتصاديا هناك اقلية قليلة جدا تعتمد علي البعير في اقتصاد رعوي تقلص الي ادني مستوياته واجتماعيا لم يعد البعير ضرورة وحاجة ملحة في بناء رصيد اجتماعي او رأس مال رمزي يكسب صاحبه الوجاهة والريادة من خلال تعداد لرؤوس الابل التي تحتضنها حفيدته. في السعودية تعتبر الاكثرية ان الوجاهة تقاس حاليا بعدد ـ السيارات الحديثة والقصور الفاخرة ونماذج من الاستهلاك القاتل والذي يهلك المنخرطين به في سباق جديد لا يمل ولا يتعب. اما رمزية الابل السياسية المتمحورة حول حرية صاحب البعير واستقلالية قراره السياسي والذي وفره البعير في الماضي فهي منعدمة تماما خاصة واننا نعلم ان المواطن ببعير او بدونه قد تجرد من كل حقوقه السياسية وقدرته علي الاستقلالية امام نظام مركزي متسلط.
وبانعدام الاسباب المقنعة التي تفسر لنا استمرارية مركزية البعير لا بد لنا ان نتساءل لماذا تصر قبائل السعودية علي بعيرها وتستعرضه في مهرجانات هي ايضا اصبحت محافل استهلاك كغيرها من المهرجانات والأعياد. هل لأنها موغلة في الماضوية وحب التراث ام هل لأنها غير قادرة علي الانسلاخ عن بعيرها وهو صاحب الميزات السابقة والتي وفرت لها القدرة علي العيش في اكثر البيئات قساوة وجفافا وضمن لها استقلالية سياسية وقدرة خارقة علي تقويض السلطة المركزية دولة كانت ام امبراطورية. قبائل الجزيرة التي تحتفل حالياً ببعيرها ليس لها خصوصية فلا هي موغلة في الماضوية ولا هي متشبثة بتراث ذهب ولن يعود بل هي كغيرها من المجموعات البشرية التي تنخرط في التفكير الرمزي الذي يعكس حالة آنية لها اسبابها المحلية المرتبطة ليس بالماضي وانما بالحاضر والمستقبل. عودة القبيلة الي بعيرها ليست حنينا الي العصور الغابرة وانما هي رمزية يجب ان تفكك طلاسمها من خلال استقراء للحاضر وليس الماضي. توفر لنا مهرجانات مزايين الابل التي تقام حاليا وتحتشد لها الجماهير وتصرف عليها الملايين وتلحن لها السنة الشعراء نافذة نطل منها علي تحولات خطيرة قد تنذر بعواقب وخيمة. ننطلق من المسلمات الهامة وهي ان مهرجانات مزايين الابل تتم بموافقة السلطة بل بتشجيعها ودعمها المالي المعروف والمستتر منه وان صدرت الفتاوي التي تدينها من قبل بعض العلماء في السعودية. ففي بلد يعتبر التجمع والتنظيم الجماعي حراما والاعتصامات بدعا لا بد لنا ان نشكك في كون مهرجانات مزايين الابل تجمعات عفوية مستقلة تخص المعنيين بها والقائمين عليها. ونستطيع ان نشير الي المساهمين في تمويلها.
مهرجان مزايين الابل هي حلقات مغلقة تنظمها القبيلة حيث العضوية محددة مسبقا من مبدأ الانتماء النسبي والبيولوجي وليست حلقات مفتوحة نستطيع ان نستوعب شرائح اخري. وتفضل السلطة المركزية القمعية ان يبقي المجتمع مؤلفا من حلقات مغلقة متقوقعة علي ذاتها تفاخر ببعيرها وماضيها المندثر ولا بأس من بعض العنصرية والاستعلائية علي القبائل الاخري طالما ان هذا المهرجان او ذاك لا يستعلي علي القبيلة الحاكمة المستشرية كالأخطبوط في كل ناحية وصوب كلما تقوقع المجتمع في قبيلته وانخرط في المشاريع الضيقة كلما تقوت السلطة المركزية وثبتت هيمنتها علي الجميع مستغلة بذلك الحواجز الجغرافية والرمزية علي خارطة القبائل التي تتفاخر بأنسابها وماضيها مقوضة بذلك فرصتها من اجل عمل جماعي يضمن الحقوق للجميع وليس لهذه القبيلة او تلك.
رغم ان الخطاب السعودي الرسمي الديني والسياسي يدين العصبية القبلية والعنصرية الا انه يمارسها ضد المجتمع ومحاولاته لايجاد مساحة عمل سياسي مشترك يتجاوز صدور القبيلة الضيقة. تفضل السلطة ان يبقي المجتمع مؤلفا من اعمدة كخطوط متوازية لا تجتمع ابدا بل كل منها ينأي بنفسه عن اي نشاط جماعي لذلك بقي البعير رمزا لكل خط رغم انه فقد بعده الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري. اليوم بعير القبيلة كائن مسكين يستغل ابشع الاستغلال في مشروع مفضوح فيزج به في مخطط الهيمنة المركزية. اصبح هذا البعير خط الدفاع الاول ضد العمل المشترك فيشق الصف دون ان يضمن لصاحبه الاستقلال والتحرر من عبودية النظام وهيمنته علي المؤسسات والثروات والنشاط المستقل. والبعير مهم جدا حيث اصبح خط دفاع اخر ضد ما يسمي بالارهاب اذ انه مرتبط ارتباطا عضويا بالقبيلة والتي بدورها قد تم تجنيدها في مشروع الحرب علي الارهاب من افغانستان الي العراق حيث نجاحات الجنرال بترايوس اصبحت الان مضرب مثل للسياسة الامريكية الناجحة في تجنيد القبيلة لحرب تخوضها بالنيابة وستتجلي ابعاد هذه السياسة في القريب العاجل وتأثيرها علي مستقبل الدولة القطرية القومية التي رسمها الاستعمار للمنطقة في القرن الماضي وها هي اليوم تمزق وتفتت حسب اهواء الجنرالات الامريكيين. ولن نأسف ان ولت هذه الدولة القطرية اذ ان تاريخها الحافل بالاستبداد والقمع قد اخرجها من دائرة التاريخ وجعلها عبئا علي المواطن ولكن هذا لا يعني ان مشروع الامارات القبلية والكانتونات الطائفية سيكون البديل. ففي بلد كالسعودية نستطيع ان نجزم ان البعير قد زج به في مخطط هدفه الاول والاخير تفتيت المجتمع وتقليص فرصه لجمع شمله فكلما تجزأ المجزأ كلما استطاعت السلطة ان تهيمن اكثر خاصة وانها تعرف ان المهرجانات ستكرس استعلائية قوم علي قوم وتبذر الكراهية والحقد بين الجميع. اما في مهرجانات الدولة فهي من سيصور نفسه وكأنه الحكم بين الجميع. وان زال ستتحول قبائل الجزيرة الي وحوش مفترسة يأكل بعضها البعض وهي بذلك تزرع في اللاوعي مفهوم مركزيتها هي خاصة وان المجتمع يتكون من جاهليات متعددة تتمركز حول البعير ورمزيته حسب مرويات السلطة السياسية والدينية في السعودية. فمن جهة تدعم السلطة مهرجانات مزايين الابل بشكل مباشر او انها تغض النظر ومن جهة اخري تنتظر ادانة علمائها لجاهلية المجتمع وعنصريته. فكما وصف النظام السعودي وعلماؤه السابقون المجتمع وكأنه يعيش كفرا اشد من كفر قريش قبل الاسلام الي ان من الله عليه بدولة التوحيد الحالية نجد نفس المجتمع هذا مدانا علي لسان بعض العلماء المعاصرين اذ انه غير منخرط في جاهلية واحدة وانما جاهليات متعددة ومتوازية لن تلتقي علي امر ولن تجتمع علي كلمة. هذه الازدواجية وهذا التناقض بين تشجيع مهرجانات مزايين الابل من جهة وادانتها من جهة اخري سياسة مدروسة هدفها تمزيق وحدة المجتمع بدعم مباشر او غير مباشر من السلطة لا نعارض ان تحتفل القبيلة ببعيرها ولكن هذا الاحتفال ليس مشروعا منعزلا عن مشروع اكبر من البعير والقبيلة معا. ويا حبذا لو نستعرض بعير الشمال جنبا الي جنب مع بعير الجنوب والشرق والوسط والغرب في مهرجان واحد لا يمجد السلطة بل يمجد تراثا مشتركا لا يخلو من التنافر والتعايش والحب والكراهية كغيرنا من الشعوب وندعو من لم يكن له بعير في السابق ليشارك في احتفال يجمع ولا يشق الصف. عسي ان تعي كل قبائل الجزيرة هذه الرسالة حتي لا يتحول كلامنا الي ربابة عند ذنب البعير.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

