2007/10/08

التوبة في حضن السلطة السعودية

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 08-10-2007

عادة يتوب المرء عن المعاصي والذنوب والمحرمات اما في السعودية فالتوبة اليوم هي مراجعة لموقف من السلطة السياسية قد يكون هذا الموقف ناقدا او مطالبا بالاصلاح يتبلور هذا الموقف من خلال توقيع عرائض او بيانات مطالبة بتغيرات سياسية وادارية وبعض الانشطة التي تصنفها السلطة علي انها سياسية قد يدخل المرء علي اساسها الي السجن ويقضي فترة غير محددة ثم يخرج دون محاكمة في معظم الاحيان وتنتهي المسيرة بكتابة بيان توضيحي يعلن فيه الناشط عن توبته وتخليه عن مطالبه السابقة خاصة بعد ان انخرط في مشروع اصلاحي ما ووجد ما لا يسره لذلك يقرر هذا ان ينهي نشاطه السياسي ويعلن توبته علي الملأ ويعيد التزامه بطاعة ولي الامر ويصفه بأنه احسن الاصلاحيين وافضل المبادرين بالاصلاح والتنمية.

وما ان ينتهي بيان التوبة حتي تظهر الشائعات والشائعات المضادة وتتكاثر التساؤلات. منهم من يشكر الله علي عودة الناشط الي رشده وصوابه ومنهم من يرسل الاتهامات بالرشوة والعمالة وينتقص من رجولة الناشط التي لم تصمد امام الطغيان. وفريق ثالث ينتظر ويتريث قبل ان يطلق الاحكام ويري التوبة مشروعا شخصيا لن يثني الاخرين عن مواصلة الضغط علي السلطة ويعتقد ان المسيرة طويلة وشاقة ومن الطبيعي ان تسقط الاسماء خلال المرحلة الوعرة.

بعيدا عن الاحكام المسبقة والاشخاص المعنيين بالتوبة نجد ان هذه الظاهرة هي افراز من افرازات السلطة المستبدة التي تطمح دوما الي اقتناص الثغرات في اي عمل جماعي حتي لو كان تقديم عريضة وجمع التواقيع عليها. عملية الاقتناص هذه تتم إما عن طريق زرع بعض الشخصيات في حقل النشاط السياسي ومن ثم جرهم الي مشروع التوبة او عن طريق اصطيادهم فيما بعد وممارسة الضغط المباشر عليهم او غير المباشر وقد تستبدل السلطة الضغط بالاعتقال التعسفي ومن ثم الافراج عن المعتقل ليس بعد محاكمة واضحة وعلنية وانما بعد مكرمة ملكية تعتمد علي الأهواء وليس القضاء قد تنتهي عملية الكر والفر هذه باعلان التوبة والسمع والطاعة.

ولهذه النهاية تأثير مهم ومباشر تطمح له السلطة وهي ايجاد حالة نفسية جمعية محبطة ومترددة عند المنخرطين في اي عمل اصلاحي جماعي وثانيا خلق مناخ عام من عدم الثقة والريبة بين اشخاص يطمحون للعمل المشترك ولكنهم يخافون بعضهم البعض. ان اي نشاط سياسي في سلطة قمعية يحتاج الي الثقة والسرية ولكن من خلال مسرحيات التوبة المتكررة تستطيع السلطة ان تحطم اواصر الثقة بين الناشطين وهم الذين يراقبون توبات اصدقاء الامس الذين لا يكتفون باعلان توبتهم بل يطعنون في اصدقاء الامس وعملهم وبذلك يعتمدون علي ماضيهم وانخراطهم في مشروع يعتمد علي شخصيات عرفوها عن قرب ومن ثم يحاولون تجريد هذه الشخصيات من اي قيمة او ثقة.

يعتبر هذا السيناريو من اكثر السيناريوهات المبتذلة والتي تظهر دوما في البيئات القمعية التي تحرم النشاط السياسي وتتطلب الخضوع الكامل لمشيئة السلطة. تلجأ هذه السلطة الي الاقتناص الفردي حيث تختار مرشحي التوبة لتعلن اسماءهم علي العالم وتروج لتراجعاتهم اما بوسائل الاعلام التقليدية المملوكة للنظام او عن طريق وسائل اخري اعلامية غير تقليدية وكلما ازداد القمع والكتب تعددت التوبات اذ ان هناك علاقة حميمة بين السلطة المتسلطة وعدد التوبات. حيث تصبح هذه الاخيرة مقياسا لمدي تفشي حالة الضغط والتضييق علي الحريات وخنق مبادرات الاصلاح. يخطئ من يظهر ان التوبة تعكس انفراجا في علاقة السلطة بالمجتمع او تنبئ بانفراج سياسي وتحسن للوضع العام لدرجة ان بعض الناشطين قد يشعرون بعدم جدوي النشاط السياسي والحراك الاجتماعي لذلك ينهون عملهم وانخراطهم في المشروع من خلال ما يسمي بالتوبة. عادة تكون الامور عكس ذلك. التوبة السياسية بشكلها الحالي وكما تظهر علي الساحة السعودية هي مرآة تعكس مدي تطور اساليب القمع والتي تلجأ اليها السلطة مرارا وتكرارا لتفكيك اي عمل اصلاحي جماعي ومحاولة ضغط عليها لترضخ لبعض مطالب الاصلاحيين والناشطين. حالات التوبة المتكررة ان دلت علي شيء فهي تدل علي لجوء السلطة الي الحلقة الضيقة الفردية المتمثلة بشخصية النائب من اجل تفتيت تيارات سياسية لا تستطيع ان تضربها جماعيا او تهزمها فكريا.

لاي حركة اصلاحية لغتها ومفرداتها التي يقوم علي ترويجها مجموعة معروفة وان انتشرت هذه اللغة وتبنتها شرائح اجتماعية كبيرة يصعب علي النظام مهما كان قمعيا ان يقتلع مصطلحات الاصلاح من فكر هذه الشرائح فهو عندها امام خيارين إما ان يتبني هو نفسه مصطلحات الاصلاح ويتشدق بها من اجل تمييعها واقتناصها لتصبح مشروعه هو بدلا من ان تظل مشروعا شعبيا مستقلا والخيار الثاني هو اقتناص اصحاب اللغة الاصلاحية اما عن طريق التصفية النهائية او عن طريق اعلان التوبة. عندها تعتقد السلطة ان مشروع الاصلاح سيندثر ويتلاشي خاصة بعد ان يقتنع الجمهور ان الدولة هي نفسها من سيتبني مفردات الاصلاح او ان اصحاب الفكر الاصلاحي هم انفسهم قد تخلوا عن المشروع من خلال التوبة. يظهر لنا هذا الاسلوب بشكل واضح وصريح من خلال تصرفات وممارسات النظام السعودي تجاه معارضته في الثمانينات والتي كرستها حركة جهيمان بعد القضاء علي الحركة تقمصت السلطة المطالبات التي كانت خلف هذه الحركة وقامت السلطة بعملية اسلمة ذاتها تماما كما تصورها جهميان واضطرت ان تنخرط في مشروع الجهاد في افغانستان لتؤكد لجمهورها انها الدولة المتأسلمة.

اما اليوم فلغة الاصلاح تنطلق في مفردات مختلفة منها حقوق الانسان والعدالة والمشاركة السياسية وتوزيع الثروة بشكل عادل لذلك نري ان مصطلح الاصلاح ذاته قد اختطفته السلطة من قاموس المطالبين به ليصبح مشروعها هي وقد ترافق ذلك مع تكرار مسرحيات التوبات الشخصية.

ولكن من الصعب ان تقتنع الشرائح الاصلاحية بأن مشروعها المختطف من قبل السلطة سيتحول الي خطوات عملية واضحة وصريحة في سبيل تثبيت المطالب الاصلاحية اذ يبقي النظام متمسكا بلغة الاصلاح ومفرداته دون ان يطبق علي الارض بعض الخطوات والتي قد تقنع الكثير بان اللغة تحولت الي ممارسة. امام هذه الحقيقة، ما هي خيارات الاصلاحيين او الناشطين في مجاله وهم امام عملية الاختطاف هذه من جهة وامام توبات اصدقاء الامس. الخيار الوحيد في هذه اللحظة هو ممارسة عملية اثبات وجود مستمرة رغم تهاوي اسماء البعض وانسحابهم من المشروع وثقتهم ان المسيرة قد بدأت وان تساقط البعض وانسحب منها الا انها تدور بسرعة وسيلتحق بها الكثير الذين سيحتلون مكان التائبين ويدفعون بالعمل الاصلاحي الي الامام.

وكما ذكرنا سابقا التوبات المروج لها حاليا انما هي ظاهرة تعكس ازدياد القمع وليس الانفراج والاصلاح وهذا ما سيعجل بالمسيرة وتكون السلطة نفسها عاملا مهما في دفع الكثير للانخراط في المشروع الاصلاحي وهي تحاول ان تثنيهم عن اي نشاط جماعي.

ولكن لا تعلم السلطة ان للتغيير السياسي ديالكيتة خاصة به وان للقمع السياسي منطقه ومسيرته التي قد تفلت من يد السلطة ذاتها التي تمارسه ضد المجتمع. وبما ان لكل فعل ردة فعل ستجد السلطة انها بقمعها واقتناصها للرجال ستعجل في مسيرة الاصلاح الحقيقي.

عندها فقط سيعلم الجميع ان اختطاف مفردات الاصلاح انما هو مسرحية خيالية تنسجها السلطة لامتصاص حالة فكرية استشرت في المجتمع واستيعاب تداعيتها وهي مسألة وقت فقط ليري المجتمع بشرائحه المختلفة توبة السلطة القمعية ذاتها متلفزة ومنتشرة اعلاميا..

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية