2007/10/01

السعودية: حلقات مفقودة في دعوات جلد المجتمع

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 01-10-2007

جميل جدا ان يصحو المثقف السعودي ويمتطي صهوة جواد النقد الحاد للمجتمع اذ انه بذلك يكرس دوره كعين ثاقبة تشرح الخفايا السلبية وتنبش المستور والمفضوح لتعطي صورة واقعية عن حالة الثقافة السائدة والممارسات الاجتماعية. وقد جاءت هذه الصحوة بصورة فجائية تحت ضغط داخلي وخارجي دفع البعض الي تصدر لائحة النقاد موجها سهامه الي كثير من المسلمات الدينية والعرفية والاجتماعية التي اصبحت تشكل عبئا ثقيلا وتنذر بعواقب وخيمة. نجد اليوم الرواية والمسرحية والمسلسلات الفكاهية ومقالات الكتاب من كافة الاطياف تجاهد من اجل جلد المجتمع وصلب رموزه السابقة والحالية وتستعرض افاته وتركيبته الاجتماعية. يتركز نقد هؤلاء علي موضوعات محددة، اولها التطرف الديني وثانيها القبلية وثالثها العنصرية ورابعها الاستعلائية وخامسها النظرة الدونية للمرأة وسادسها المحسوبية والوساطة، الي ما هنالك من افات يعددها هؤلاء المثقفون ويستعرضون أثرها السلبي علي المجتمع.

يبقي هذا الجلد المستمر والمتزايد مفتقدا لحلقة مهمة لا تزال محاطة بالقدسية خارجة عن نطاق النقد الصريح او حتي المبطن الذي يتواري خلف ستار الاشارة والهمز واللمز. تتمثل الحلقة المفقودة في مسلسل النقد الثقافي السعودي بالسلطة السياسية الغائبة في مرويات النقد الحاضرة في الممارسة علي الارض. يعتقد هؤلاء المثقفون ان المجتمع وآفاته يدوران في فضاء فسيح حر لا تؤثر فيه قرارات السلطة وسياساتها المدروسة. وان اخذنا الآفات المزعومة وفصلنا اسبابها واستيطانها في المجتمع سنجد انها اما من افرازات السلطة ذاتها او نتيجة سياسات تسلطية مركزية تغذيها وتنميها لاهداف سياسية بحتة واضحة وصريحة. لنأخذ ما يسمي التطرف الديني اولا. اليس هذا التطرف نتيجة مباشرة لعقود طويلة من القمع والمراوغة واستحضار الملف الديني من اجل تثبيت شرعية السلطة والتي تفتقد لأي شرعية تاريخية سوي التضليل باسم الدين ومن ثم التآمر علي هذا الدين وضربه في الصميم حسب الاهواء السياسية ومتطلبات المرحلة التاريخية الحالية. اليس التطرف المزعوم وليد عملية تدجين طويلة وازلية قامت علي ترتيبها السلطة السياسية من اجل تثبيت الهيمنة الفوقية وقهر الخطاب الديني المستقل والحجر عليه حتي لا يكتشف مخزونه الرافض للظلم والاستبداد. اليس التطرف المزعوم ردة فعل علي عقود من تشويه التطور الطبيعي والمسار المرجو فجاء هذا التطرف كهزة قوية ترفض المراوغة وتدجين البشر وفكرهم لمشروع سياسي بحت استنجد بالدين في البداية وهو اليوم يحاربه لانه افرز افرازات لا تروق له ولا لقيادته.

وعندما يجلد المجتمع علي قبليته المتخلفة وهوياته الضيقة التي تعتبر انها تتعارض مع مفهوم الوطنية المروج لها حاليا اليس من الاجدي التساؤل عن اسباب استمرارية الهويات القبلية والتكتلات الضيقة. اليست هذه الاستمرارية مرآة لحالة تقليص المساحات الحضارية والتجمعات البشرية المنفتحة والتي تجمع البشر علي اساس الالتقاء الفكري او الاقتصادي الذي يتجاوز المساحات الضيقة التي تنبثق من التجمع القبلي. تخنق السلطة السياسية هذه المساحات المدنية وان وجدت فهي تعمل جادة علي اختراقها وتطويعها لتصبح اداة فعالة في مشروع السلطة ذاتها وليس حيزا مستقلا يجمع في طياته تكتلات مستقلة. اليست السلطة السياسية هي من يحرم مثل هذه التكلات والتي تضم الجمعيات العمالية والاحزاب السياسية والمؤسسات المدنية. بانعدام مثل هذه المساحات تتقوقع المجتمعات في الحلقات الضيقة القبلية والأهلية.

وها هم مثقفو المجتمع يجلدون القبيلة وتخلفها ومقاومتها للاندثار والتلاشي دون ان يتلفتوا الي من عززها وكرس بقاءها حتي اصبحت آفة اجتماعية حسب مرويات من يدعي الثقافة والنقد. ولم تكرس السلطة السياسية القبيلة فحسب، بل جدت في اختراقها وتطويعها لتصبح اداة اخري في حربها علي المجتمع واستقلاليته. اما العنصرية والاستعلائية فهما انماط وجدت فيها السلطة علاجا فعالا في محاربة العمل الجماعي. غذت السلطة هذين العاملين رغم ترويغ خطاب العدل والمساواة والاخوة الاسلامية المزعومة بممارسات مفضوحة، حيث رفعت بعض القوم علي حساب آخرين وأناطت بهم مسؤوليات كثيرة ليس لانهم خير البرية بل لانهم اثبتوا قدرة علي الانبطاح والتدجين تفوق قدرة الآخرين وصمودهم في وجه اغراءات السلطة وثروتها. اذن استمرارية مفاهيم العنصرية والاستعلاء ليس لان الانسان يولد عنصريا مستعليا علي الغير فاقدا لمفاهيم المساواة، بل لان السلطة هي من تغذي الاستعلاء عن طريق الممارسات المشبوهة والتفرقة ومشاريع التنمية المبتورة. اليست السلطة هي الحاضنة لمهرجانات التفاخر بالنسب والبعير والقوافي. اليست السلطة هي من يقسم الارزاق بين البشر من خلال علاقات مشخصنة تعتمد علي الولاء والانبطاح في اقتصاد يدعي الانفتاح ويمارس المركزية.

اما انتقاد النظرة الدونية للمرأة وتهميشها الطويل فهو انتقاد حان وقته ولكنه هو ايضا يفتقد الي الحلقة المفقودة ذاتها. اليست السلطة السياسية هي نفسها من يعيش الورع والتقوي بمقياس مدي الحجر علي المرأة وتغييبها. بعد ان سقطت اقنعة السلطة السياسية المستمدة من المفاهيم الدينية الاصلية لم تجد السلطة السياسية سوي المرأة لتثبت للعالم انها تحكم بما انزل الله من خلال منع المرأة من قيادة السيارة. وهي بذلك تعتقد انها تستطيع ان تضلل العالم الاسلامي بأجمعه انها السلطة الوحيدة التي تتمسك بشرع الله. ورغم علمنا بنواقض الايمان العشرة وتمحيصنا بها لم نجد ان قيادة المرأة للسيارة تشكل احد هذه النواقض. تتجاهل السلطة احد هذه النواقض كالولاء والبراء الذي اصبح جدلا تتناوله اروقة السياسة في الغرب والعالم بينما تتغني القيادة السعودية بتقواها من خلال استمرارية هذا المنع الذي يدور في حلقة مفرغة ويتأرجح النقد فيه بين مؤيد لرفعه وآخر معارض. طالما بقيت القيادة السعودية تقيس ورعها بموضوع قيادة المرأة للسيارة لطالما بقي الجدل عقيما مملا. اليست القيادة السياسية هي من يبقي هذا الجدل محترما لانه وسيلة فعالة في الهاء المجتمع عن اموره المصيرية، فتجمع التواقيع وترسل الي وكالات الانباء العالمية وتصرف الدراهم علي برامج حوارية وتتفرج السلطة علي الحروب الجزئية التي تنهك المجتمع وتبعده عن حربه الحقيقية مطالبا بحقوقه الاساسية المشروعة. وتبقي المرأة محرومة من حرية التنقل وهي المحرومة من حق التمثيل في المؤسسات خاصة تلك التي تدعي حمايتها والحفاظ علي حقوقها من قضاء وتعليم وتمثيل سياسي. وتفضل السلطة ان تبقي بعيدة عن الجدل الحالي لانها تتفرج علي تناحر المجتمع واطيافه وكأن الامر لا يعنيها فتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد. فهي تضمن المفاصلة مع العالم الاسلامي والذي سمح للمرأة ان تقود السيارة منذ زمن بعيد وكأن هذا العالم هو عالم منحل خرج عن مفاهيم الاسلام وهي الوحيدة المتمسكة به الي اقصي الحدود والهدف الثاني هو انشغال نساء المجتمع المطالبات بحق القيادة في هذه الجزئية الازلية فيخضن حربا اجتماعية هامشية يخسرن فيها رصيدهن الاجتماعي لمجرد انخراطهن في جدل بيزنطي عقيم.

نقد المثقفين للمحسوبية والفساد والوساطة هو ايضا يفتقد الي جرأة حقيقية. يجلد هؤلاء المجتمع ويصلبون صغار القوم علي ممارسات لم يخترعوها ويمارسوها الا لانهم يعلمون ان مثلهم الاعلي وقدوتهم الحسنة علي رأس الهرم هي المتمرسة بفنون الفساد والرشوة التي تظل اساطيرها محظورة اعلاميا في الداخل ومفضوحة في الخارج. وبما اننا نؤمن ان الصغار يتعلمون دوما من الكبار ويحاولون تقليدهم في كثير من الممارسات لا نجد تفسيرا لظاهرة الفساد سوي كونها امتدادا لممارسات الكبار. وان قارنا هذه الاخيرة بما يطفو علي صفحات الجرائد التي تفضح صغار القوم سنجد ان مثقفي الاعلام يمارسون نفاقا صريحا وواضحا يجعل نقدهم تفاهة في مسرحيات الشفافية والمحاسبة.

تأتي دعوات جلد المجتمع وكشف اسراره وفضح عوراته كمحاولات ناقصة تجعلنا نشكك في جديته وجدواه خاصة وانه يبتعد عن تسمية الاشياء بأسمائها. الكثير من الممارسات الشاذة المنتقدة حاليا هي وليدة سلطة مركزية تمارس عمليات اقصاء واستئثار وتهميش وقمع وارهاب. لا تزال هذه السلطة هي الاقوي ولا يزال المجتمع هو الضعيف في المعادلة الحالية.

فقط عندما يكون المجتمع قويا بمؤسساته واثقا من قدراته نجده يرحب بالنقد وعمليات الجلد التي قد تصحح مسيرته وهنا يلعب المثقف دورا كبيرا في عملية التصحيح والتعديل المرجوة. وليس لنا هنا الا ان نتساءل عن جدوي صلب المجتمع وهو المصلوب.

 

كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

www.madawialrasheed.org 

 


أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية