2007/09/24

اين شيوخ الفضائيات من فقه الاعتصامات؟

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 24-09-2007

تجري حاليا محاكمة الدكتور عبد الله الحامد احد رموز التيار الاصلاحي في السعودية بتهمة تحريض نساء المساجين علي الاعتصام والتجمهر امام مراكز القمع السعودية التي تحتجز ازواجهن لفترة طويلة دون تقديم هؤلاء امام محاكم تبت في قضاياهم فتصدر الاحكام او تطلق سراحهم.

يعتبر الاعتصام في بلدة كالسعودية جريمة يشرعن لها طيف كبير من علماء الدين الذين يعتبرون هذا العمل خروجا علي ولي الامر اذ ان علمهم الشرعي يقتصر علي التنظير لفقه الطاعة والذي تأصل في التراث الاسلامي وتصدي لتفصيله وترسيخ نصوصه وشرحه مئات من العلماء الذين ارتبطوا بالسلطة حتي اصبحت مراجعه كتبا مقدسة لا تقبل التمحيص او اعادة النظر حيث اعتبرها البعض نصوصا الهية لا تقبل التشكيك او اعادة التفسير. واتهم من حاول ذلك بأسوأ الاتهامات التي تتأرجح بين النفي من حلقة العلم او الاقصاء او حتي نزع الانتماء الي الاسلام عن حفنة صغيرة من علماء امتلكوا الجرأة وشككوا في بعض نصوص فقه الطاعة للحاكم. استغل فقهاء الطاعة الوسائل الاعلامية التي وفرتها اموال النفط من اجل تكريس هذا الفقه واعادة صياغته باسلوب اعلامي مبتذل يصل الي شرائح كبيرة من مشاهدي الفضائيات. والتحق هؤلاء بركب الظاهرة الجديدة التي برزت اول ما برزت في الولايات المتحدة بتصدر ما يسمي بالتلي افانجليكل لمساحات اعلامية كبيرة تحت ظاهرة قنوات الله واصبحت شاشات العرب مرآة لهذه الظاهرة الجديدة. وتنافس مشايخ العرب فيما بينهم من اجل احتلال مساحة جديدة بالاضافة الي حلقات الدرس التقليدية والتي تعودوا عليها سابقا وابدعوا في احتكارها. جاءت رسالة هؤلاء مبتذلة مكرسة لفكر يدعو الي الخنوع الي سلطات قمعية تمتلك اموالا طائلة افسدت علمهم الشرعي اذ اناطت هذه السلطة بشيوخ الفضائيات مهمة تطويع المجتمع وتدجينه وتخديره بنصوص وتفسيرات تكرس الاستسلام للظلم بل تحرم التصدي له بكل الوسائل بما فيها الوسائل السلمية والمقاومة المشروعة هذا بالاضافة الي المقاومة المسلحة التي تؤدي الي سفك الدماء والفتن. بسبب هذا الاحتكار الاعلامي وغلبة الخطاب الديني المستسلم هاجرت اقلام بعض العلماء واصحاب المعرفة الشرعية الي الشبكة العنكبوتية لا لتفصل فقها جديدا يشرعن للمقاومة السلمية كالمظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني بل لفقه معاكس يحلل الخروج علي الظلم بالسيف والقتال. فتبلور فقه الخروج علي الحاكم في طيات المواقع الالكترونية والاعلام الجديد ووجد اذانا صاغية ومروجين جادين في نشره وتعميمه واستقطاب شرائح كبيرة مستعدة لان تضعه حيز التنفيذ.

وقفت المجتمعات العربية وقفة تأمل بين فقه الطاعة المدعوم سياسيا واعلاميا وماليا وفقه الخروج علي الحاكم الهارب الي مساحات اعلامية تعتمد علي ميزانيات قليلة وطاقم اعلامي صغير لكنها تعد ان تصل رسالتها الي جيل جديد يتمرس في متاهات الشبكة العنكبوتية، حيث يجد الخطاب الثوري الداعي الي اللجوء الي العنف والقتال كوسائل مشروعة في مواجهة الظلم والتعسف وهضم الحقوق. جاء فقه الخروج المسلح كمرآة لفقه الطاعة اللامحدودة التي نزعت العمل السياسي من قاموس الانسان وفكره وحاولت غرس مفهوم الخضوع والصبر وارجاع القضايا السياسية التي تؤثر علي مسيرة الشعوب الي خالقها ومدبرها.

لن يجد الانسان العربي اليوم منزلة بين المنزلتين حيث يطلع علي فقه المقاومة السلمية ولن يعثر علي تأصيل شرعي جدي يطرح هذا الموضوع لا في الاعلام الفضائي الرسمي ولا في شبكات اعلامية الكترونية. لقد اختفي هذا الفقه من الحيز العام العربي واندثر بين استقطابات المرحلة الحالية وانقسام المجتمعات وفقهائها بين متبن لفقه الطاعة وآخر يروج لفقه الخروج المسلح. وان ظهر احد المثقفين الذين يكتبون في هذا المجال ويؤصلون له في كتب تنشر بصعوبة شديدة سيجد هؤلاء انفسهم متهمين تستعرضهم السلطة السياسية وفضاؤها المستقطب في محاكم هزلية تحاول ان تجرمهم من منطلقات فقه الطاعة وحدوده الضيقة. وفي نفس الوقت يجد هؤلاء القلة انفسهم متهمين من قبل مروجي فقه الخروج المسلح الذين يتصدرون الرأي الآخر ويقسون علي من لا يشاطرهم موقفهم وتفسيراتهم ونصوصهم واستدلالاتهم الشرعية.

لن يخرج العالم العربي من مأزقه الحالي وحالة الاستقطاب الفكرية بين فقه الطاعة وفقه الخروج حتي يجد فقه الاعتصامات مكانه المناسب بين هذين التيارين. فقه المقاومة السلمية للانظمة القمعية يختلف تماما عن فقه المقاومة للاحتلال واغتصاب الارض ولا يجب ان تختلط الامور في ذهن البعض. اذ ان مقاومة الاحتلال مشرعن لها ليس فقط في المجال الديني بل في القوانين العالمية والمعاهدات الدولية. نحن هنا بصدد فقه تحتاجه المجتمعات العربية خاصة تلك التي لا تقع تحت احتلال واضح وصريح رغم انها قد تكون تدور ضمن حلقات الكولونيالية الجديدة حيث تشهد هذه المجتمعات اسوأ حالات القمع الداخلي والاعتقالات والاحكام التعسفية ليس فقط ضد من يخرج بالسيف وانما من يخرج بقلم او مظاهرة أو فكر يندد بحالة الظلم التي تسودها.

وتتصدر السعودية مثل هذه الحالات بالاضافة طبعا الي دول اخري في المنطقة العربية.

لطالما بقي فقه مقاومة الظلم بالطرق السلمية مغيبا اعلاميا وتربويا واجتماعيا لطالما بقيت المجتمعات العربية رهينة الاستقطاب الفكري والشحن الاجتماعي ولطالما ظل القمع سيد الموقف من جهة والعنف السياسي من جهة اخري. لقد تشبع العالم العربي بالقمع والعنف لدرجة كبيرة واندثرت المقاومة السلمية في متاهات الاستبداد السياسي من جهة ودعوات القتل والتفجير.

وان لم يكن لفقه الاعتصامات والعصيان المدني والتجمعات والمظاهرات السلمية من نصوص قديمة فيجب علي من يدعي التجديد الفكري ان ينبش التراث القديم ويحاسبه علي غياب مثل هذه التنظيرات الشرعية التي تحتاجها المجتمعات في الوقت الحاضر حتي تتجاوز مرحلة التسلطية السياسية ومرآتها التي تدعو الي العنف والاقتتال.

ولكن مع الاسف من يدعي التجديد الفكري في هذه اللحظة الحرجة من تاريخنا مشغول اما بفقه الطهارة والوضوء او بفكر يحارب به اعداء السلطة التي تموله وتمول برامجه الثقافية التي مل منها طيف كبير من مشاهدي الفضائيات العربية. لقد آن لهؤلاء ان يخرجوا من معضلة طاعة ولي الامر والخروج عليه الي فضاء فسيح يستطيعون من خلاله غرس ثقافة جديدة تناسب العصر ومتطلباته وترسخ مفهوم المقاومة المشروعة لمشاريع التعسف والسجن والاتهامات الباطلة التي تلصقها السلطة بكل من فكر بعمل جماعي يبتعد عن مفهوم الخنوع والقبول بالامر الواقع.

ولكن ليس من المستغرب ان تتجاهل وسائل الاعلام العربية بعض الاصوات التي تحاول ان تخرج من ثنائية الطاعة والخروج بوسائل فكرية واضحة وصريحة. وهي المملوكة من قبل سلطات سياسية تحاول ان تنتزع من المواطن حقه في قول كلمته وتحرمه من العمل السياسي السلمي. تفضل السلطة ان يبقي العمل السياسي الذي يلجأ الي العنف هو الخيار الآخر حتي يسهل عليها قمعه وخنقه. وقد تجد حرجا في قمع مظاهرة سلمية. ولكنها اي السلطة السياسية لن تجد من يرفع بيرق الاحتجاج ان هي قتلت من يتهم بقتل الاخرين من منطلق الخروج المسلح. ستكون حجتها واهية وضعيفة ان هي تصدت لمجتمع مسالم ولن تستطيع ان تحشد الرأي العام ضده وان كانت ستجد في منظري فقه الطاعة السند والعون خاصة في محاكمها وقضاتها الذين اصبحت مهمتهم الاولي والاخيرة اسقاط التهم علي الاخرين المطالبين بحقوقهم بطرق سلمية تحفظ الدماء وتنصف المظلومين في سجون القمع والاستبداد.

ستظل مجتمعاتنا العربية رهينة الثنائية الحالية ولن يجد الانسان بصيص نور بين فقه الطاعة وفقه الخروج المسلح وسيظل القمع قائما والقمع المضاد مستشريا حتي تترسخ ثقافة جديدة تجعل فقه المقاومة السلمية هو السائد. عندها فقط نستطيع ان نتنبأ بخروج علي المعهود الحالي الذي ينبيء بانفصام اجتماعي عواقبه وخيمة.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية