2007/08/13

في عصر الارقام: أمة العرب 6 2

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 13-08-2007

من اجل مشروع السلام الامريكي تختزل واشنطن العرب في رقمين. عرب 6+2 هم من تعول عليهم اروقة البيت الابيض لنجاح مؤتمر الخريف القادم والذي دعا اليه الرئيس الامريكي. وليس من باب الصدفة ان يقع اختيار الولايات المتحدة علي هذه المجموعة.

فهي تتكون من مجموعتين احدهما قد خرج من الصراع العربي ـ الاسرائيلي بموجب معاهدات واتفاقات سابقة، والاخري لم تكن طرفا مباشرا في هذا الصراع منذ بدئه في منتصف القرن الماضي وان هي قد جرت الي هذا الصراع علي مضض. بعد ان خرجت مصر والاردن من هذا الصراع ضمنت اسرائيل الامن علي حدودها القريبة دون ان تعلم ان المعركة ستنتقل وبشكل سريع الي الاراضي المحتلة ذاتها. اما دول الخليج فلم تكن دول مواجهة منذ البداية رغم انها تبنت الشعار التحرري وسخرت له بعض المال الذي انفق منذ الستينات علي دعم بعض الحركات الفلسطينية والذي انيط بها تحرير فلسطين نيابة عن الكتلة الغنية الممولة للمشروع. بروز نجم عرب 6+2 مؤخرا له دلالات مهمة في عصر الهيمنة الامريكية الواضحة والصريحة في المنطقة العربية. لن تكون مشاركة عرب الخليج في تمرير المشروع الامريكي سهلة اذ ان الهم الاول والاخير لانظمة الخليج ليس فلسطين، بل ايران ومهما حاول هؤلاء الانخراط في مشروع السلام الامريكي علي ضفاف البحر المتوسط الا انهم سيظلون مرتبطين بالخطط الامريكية الهادفة الي تحجيم الدور الايراني في منطقة الخليج. فثرواتهم تستنزف يوميا في سباق للتسلح لم تعرفه المنطقة من قبل ليصبح شريان العالم الاقتصادي والذي يمده بالوقود مثقلا بترسانة عسكرية تضمن الانتاج والتصدير دون انقطاع. ويعلم الجميع ان اندلاع حرب ايرانية ـ امريكية مباشرة يعني انخراط المجموعة الخليجية بشكل سريع في المواجهة والتي ستكون المنطقة ارضية انطلاق اولي لها بعد ان اصبح العراق منذ احتلاله ساحة استنزاف للاحتلال الامريكي يشارك فيها ليس فقط القوي العراقية المدعومة ايرانيا، بل ايضا مجموعات مقاومة مختلفة الاتجاهات والاهداف والايديولوجيات. وان كانت دول الخليج تعتقد ان الحرب القادمة ستكون خاطفة وقصيرة تماما كما كانت سابقتها عام 1991 عندما استطاعت الولايات المتحدة ان تحشد مجموعة عربية اكبر من عرب 6+2 حينها فهم لا يعون التغيرات التي طرأت علي المنطقة وغيرت ملامحها الشعبية وتوازناتها السياسية بشكل يختلف تماما عن السابق. عندما جاء الامريكي ليحرر الكويت عام 1991 استبشرت به مجموعة صغيرة جدا من الانظمة الخليجية ولكنها وجدت نفسها وبسرعة فائقة في مواجهة مباشرة مع اطياف كبيرة من مواطنيها وخاصة في السعودية التي تبلور فيها تيار عريض رافض لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة واحتج علي مبدأ الاستعانة بالولايات المتحدة لمواجهة الخطر العراقي علي امن الخليج. وقد يختلف هذا التيار في موقفه عن السابق ان كانت المواجهة المستقبلية مع ايران والتي قد تصورها الاقلام السعودية علي انها ممثلة لخطر شيعي علي المنطقة وجزء لا يتجزأ من الهيمنة الشيعية التي بدأت في العراق. وهي بذلك تردد المقولات الامريكية المروج لها حاليا والتي قد توصل المنطقة الي ابواب الحرب الطائفية الشاملة فيحصل الاصطفاف علي اسس مذهبية تبعد الصراع عن واقعه السياسي وتقاسم النفوذ وتزج به في حرب دموية طويلة تنذر بتشظي النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي علي ضفاف الخليج العربي. وبالاضافة الي النكبة الانسانية واراقة الدماء البريئة نتيجة حرب مثل هذه الحرب من المؤكد ان خارطة المنطقة ذاتها ستتغير ملامحها بشكل يختلف تماما عما عهدناه وتعودنا عليه في كتب الجغرافيا. ليس من المتوقع ان تنهار ايران فجأة في وجه الغزو الامريكي المنطلق من الارضية الخليجية ولكن من المؤكد ان تكون الحرب طويلة قد لا تؤدي بالضرورة الي الاطاحة بنظام احمدي نجاد واستبداله بنظام موال للولايات المتحدة فيتم لها بذلك اضافة سلطة جديدة مدعومة من قبلها الي لائحة الانظمة الصديقة. اما في السعودية فسيكون الوضع مختلفا واخطر بكثير من مصير ايران.

تتصدر السعودية بثقلها النفطي عرب 6+2 لذلك ستكون من اكثر المستهدفين من قبل ايران وفي حال انخرطت السعودية في حرب الولايات المتحدة علي ايران سترد هذه الاخيرة بالشكل الذي تراه مناسبا من ضرب مباشر للمرافق الاقتصادية الي تحريك للفتن الداخلية وسترد السعودية ايضا علي ذلك بتجييش جيش من الذين تروق لهم الفتن الطائفية ويستمتعون بلغتها ويتمرسون في ايقاظها. وبذلك تكتمل الصورة وتنخرط المنطقة بصراع دام وطويل ويكسب النظام السعودي ولو وقتيا لقب المدافع عن مصالح السنة وهو اللقب الذي يطوق اليه، ولكنه لم يحصل بالشكل الذي تطمح له شرائح كبيرة في المجتمع السعودي. سيصعد النظام السعودي الي هذا اللقب الفخري علي اشلاء كثيرة من اجساد من سيسقط في المعارك القادمة.

وسيتم له ما يريد من تأجيل للمعركة الداخلية والمواجهة المتوقعة بينه وبين اطياف داخلية ملت من تكميم الافواه ومصادرة الحقوق وتجاوز المطالب الاصلاحية.

ومن الاحري ان يوجه عرب 6+2 جهودهم الي حل نزاعهم مع ايران قبل ان يتهافتوا علي سلام امريكي مع اسرائيل لا تزال ملامحه غير واضحة وكثير منها غير مقبول من الشرائح الفلسطينية المعنية بالامر مباشرة. وان كانت للعرب سابقا قضية واحدة ممثلة بالقضية الفلسطيــنية فلهم اليوم قضيتان ناهيك عن المعضلة الحقيقية والتي تواجهها معظم الانظمة مع شعوبها والقوي المسلحة علي ارضها.

وان كان لعرب 6+2 اي سيادة وقرار مستقل يجب عليهم ان يعقدوا حلفا فيما بينهم ويقدموا لايران معاهدة سلام تضمن لهم اتفاقية عدم اعتداء فلا تقتنصهم صواريخ ايران ومقابل ذلك لا تستعمل اراضيهم ومياههم الاقليمية وثروتهم النفطية ضد ايران في حرب ليست من تصميمهم وانتاجهم. وان كانت للولايات المتحدة حسابات قديمة تريد تصفيتها مع ايران فيجب عليها ان تخوض المعركة القادمة بعيدا عن العرب وقضاياهم وارضهم ولها في ذلك مراتع كثيرة في اسيا الوسطي تستطيع ان تسخرها في هذه الحرب وفي اسرائيل القلب الكبير الذي يحتضن جنود امريكا وترسانتها العسكرية.

ان اعتقد عرب 6+2 ان الولايات المتحدة ستخلصهم من الخطر الايراني وهو الثمن الذي يتوقون اليه فهم مخطئون، بل هم من سيدفع ثمن الانخراط في هذه الحرب التي ستمتص الطفرة النفطية الحالية والتي قد تكون النهائية والاخيرة في عصر الطفرات النفطية. وان كانت لايران ثروة بشرية هائلة بالاضافة الي ثروتها النفطية فان دول الخليج تفتقد الي هذه الثروة البشرية وما زالت تعتمد اعتمادا كليا علي النفط واليد العاملة المهاجرة من اجل ان تسير في مشاريع التنمية والنهضة الحقيقية. ولكن هل سيستطيع عرب 6+2 التملص من الطوق الامريكي المفروض عليهم او هل لديهم النية في ممارسة السيادة ولو لمرة اخيرة؟ من الصعب جدا ان نجزم ان باستطاعتهم فعل ذلك لسبب بسيط. سنري في المستقبل كيف ستحرك ايران ورئيسها الشعب الايراني من منطلق قومي لصد اي عدوان امريكي علي ايران بينما في حال تعرض عرب 6+2 الي عدوان ايراني بعد استفزاز امريكي لن يجد هؤلاء الا التلويح بالشعار الطائفي لتجييش شعوبهم ولن يلوح هؤلاء بالشعار القومي خاصة وانهم هم انفسهم من قتل هذا الشعار وقوض من رفعه في السابق، بينما نجحت ايران في اختراق مجموعات علي الساحة العربية لا تنتمي الي مذهبها وطائفتها. في نطاق هذا الوضع الجديد بمعطياته المتغيرة والجديدة علي عرب 6+2 التفكير بشكل جدي بالتعايش مع ايران وليس الانخراط بمشروع العداوات الامريكية ـ الايرانية القديمة ومن ثم البدء بمشروع السلام والذي لم يقوضه سوي كون الولايات المتحدة بدعمها المطلق لاسرائيل قد اصبحت الخصم البعيد الذي عطل الشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة السابقة حتي اصبحت هي المستهدفة من قبل الكثير من المغبونين والمهجرين علي ارض فلسطين والعراق ومناطق اخري من العالم. وفي عصر الارقام اثبت هؤلاء انهم اكثر عددا وقدرة علي الصمود من عرب 6+2.

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية