2007/07/23
عامان علي تولي الملك عبد الله الحكم في السعودية
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 23-07-2007
تحتفل الصحافة السعودية بمرور عامين علي تولي الملك عبد الله مقاليد الحكم بشكل رسمي رغم انه وضع في منصب الملك خلال فترة حكم الملك السابق والتي انتهت بمرض طويل شل مفاصل الحياة السياسية. في صيف عام 2005 استبشر الكثير من الناشطين السياسيين في الداخل اذ انهم وجدوا في الملك بدء مرحلة جديدة قد تكون فاصلة في تحول السعودية الي مملكة دستورية لها مجلس امة منتخب وجمعيات مدنية مستقلة وقضاء مستقل وكلها مطالب كانت قد تبلورت خلال الفترة السابقة ولكنها قوبلت بالصمت حينا والاعتقال التعسفي حينا آخر.
وبعد ان دشن الملك عبد الله فترة حكمه الجديدة باطلاق سراح بعض المساجين المعروفين اعتقد البعض ان في هذه الفترة الجديدة ستجد مطالب الاصلاح اذنا صاغيا وسيمهد الطريق امام الاعلان عن الدولة السعودية الرابعة بمؤسسات شرعية ممثلة للمجتمع تساعد علي توسيع المشاركة السياسية والاصلاح السياسي المرجو والحقيقي وليس اصلاح الشعارات المتداولة والتي افرغت الاصلاح من معناه الحقيقي وحصرته في جملة من الاجراءات السطحية التي يسهل استهلاكها اعلاميا والترويج لها في الداخل والخارج. اعتقد الكثير ان الملك يملك من العزيمة والقدرة الفعلية ما يمكنه تحديد موعد مستقبلي لمثل هذه النقلة السياسية والقفزة الاعلامية. بعد عامين من الانتظار تخلله المزيد من الاعتقالات التعسفية وانتهاكات حقوق الانسان ابسطها المنع من السفر والذي ما زال مفروضا علي شريحة كبيرة من الناشطين والمثقفين والمحامين لا بد ان نقيم هذه المرحلة ليس من منطلق الشعار ولكن من منطلق الحقائق علي الارض والواقع المأساوي لمسيرة الاصلاح في السعودية تحت مظلة الحكم الحالي.
برهنت المرحلة القصيرة لحكم الملك عبد الله ان من المستبعد بشكل واضح وصريح حدوث النقلة المرجوة. وان ما يسمي بالدولة السعودية الرابعة لم تولد بعد ولن تولد في المستقبل القريب والعوائق كثيرة ومتشعبة. وما يسمي حاليا بدولة الانجازات والرخاء والتنمية والرفاهية ما هو الا شعار كبير وستار يحجب حقيقة المعاناة المأساوية التي تعيشها شريحة متطلعة لاصلاح شامل ورغم ان هذه الشريحة بطبيعتها النخبوية هي اقلية الا انها استطاعت ان تضع مصطلحات سياسية جديدة علي خارطة الفكر يتداولها الكثير من الناس خاصة وانها بعد ان اقفل الاعلام الرسمي الباب في وجهها هاجرت الي الاعلام الجديد الذي وفرته الشبكة العنكبوتية والمنتديات الحوارية حتي اصبحت هذه الاخيرة تزخم بالفكر الاصلاحي ومصطلحات حقوق الانسان السياسية والاجتماعية. وتحولت الي ارشيف يدون مدي انتهاكات النظام لابسط الحقوق ورد النظام علي هذا الوعي بمزيد من التعتيم والحجب معتقدا انه بذلك سيستطيع ان يحجب الفكر الجديد او يشوهه مصورا اياه بالفكر الخارج عن مفاهيم دولة التوحيد القديمة وشرعها الثابت. ومن جهة اخري يستنجد النظام بمنظومة الحرب علي الارهاب ليزج بالكثير من المطالبين بالاصلاح في السجون بعد الصاق تهم باطلة بهم تفتقد لأي دليل ولا توضع علي المحك في محاكم علنية. بقي الكثير منهم في سجون النظام بل ان اعدادهم ازدادت عندما انضم اليهم مجموعات نشطت لاحقا واصدرت بيانات حادة منتقدة للممارسات القمعية والتي استمرت في ظل نظام يدعي انه نظام الانسانية.
استراتيجية جديدة اتبعها النظام وقد حاول من خلالها اشغال الكثير بالامور الجانبية والتي بدورها تثير جدلا طويلا وتفرق الاطياف الاجتماعية ولا توحدها. منها فتح المجال لمناقشات اعلامية تدور حول توظيف النساء في قطاعات جانبية وسطحية كعملهن في محلات بيع الملابس النسائية الداخلية ومؤخرا طرحت فكرة عمل السعوديات كخادمات في المنازل اذ اقترحت وزارة العمل بالتعاون مع جمعيات الرعاية الاجتماعية البدء بالعمل الجدي في سبيل انجاح المشروع خاصة وانها اقترحت استبدال لفظة الخادمات واستعمال مصطلح مدبرات منزل. وبالفعل تحقق لنظام الرفاهية والرخاء ما يصبو اليه من اثارة اهتمام المراقبين واشغالهم بمثل هذه المبادرات الاصلاحية والتي تأتي من باب التعاطي مع معضلة البطالة وكان رد الفعل كما هو متوقع. معارك جانبية بين مؤيد ورافض ناهيك عن استحضار الموضوع القديم المثير وهو قيادة المرأة للسيارة.
وبدل تبلور رؤية اصلاحية واضحة وشاملة يساهم النظام بتجزئة المجتمع وتغذية التناحر والشقاق حيث يدخل المجتمع بكافة تياراته واتجاهاته في مرحلة فتنة حقيقية واضحة وصريحة ويتجاهل الاطار العام ومدي فساده وتخاذله في التجاوب مع بند واحد من بنود الاصلاح السياسي الفعلي. وتتحول المعركة بذلك من معركة مع النظام وجموده السياسي الي معركة اجتماعية تفتقر الي الوحدة والنظرة الموحدة. ففي بلاد النفط تعالج البطالة بمشاريع الخدمة المنزلية النسائية وليس من المستغرب اذا كانت المعادلة هكذا ان ترتفع الاصوات التي تدين مثل هذه الاقتراحات العقيمة. واثارتها ما هي الا استراتيجية مدروسة لالهاء المجتمع بقضايا جانبية تبعده عن الوعي بالخطوط العريضة التي اوصلت المجتمع الي مرحلة بطالة مرتفعة النسبة رغم كل الشعارات التي رفعت ومراكز التأهيل التي افتتحت.
جاء العهد الجديد متسلحا بشعارات النزاهة والحد من صلاحيات وامتيازات العائلة الحاكمة وافرادها ودشن الحكم نفسه بالاعلان عن سلسلة من الاجراءات والقرارات منها منع تقبيل الايادي للمسؤولين كخطوة جريئة هدفها اظهار هذه المجموعة وكأنها تنصهر مع المجتمع ولا تترفع عنه. بقي تقبيل الايادي والرؤوس والأكتاف والأنوف معمولا به بل ايضا متلفزا اعلاميا. اما النزاهة ومحاربة الفساد فهي لم تتجاوز الشعار وبعض الهيئات المعطلة وبقيت صفقة اليمامة خارج اطار التحقيق وطويت صفحتها والتزم النظام الصمت تجاهها وكأنها شأن من شؤون بوركينافاسو الداخلية ناهيك عن الصفقات المشبوهة التي تتم خلف الكواليس وتختبئ وراء سوق اسهم اثبت انه في المرتبة قبل الاخيرة من حيث الحيوية والشفافية حسب تقريرات عالمية تراقب النشاط الاقتصادي عالميا ومحليا. ولكن سوق الاسهم وانفتاح المملكة علي التجارة العالمية شغل الكثير ونكب به الكثير واثبت انه هو ايضا وسيلة فعالة لتغذية الوهم الكبير في عملية اثراء سريعة في مرحلة الرخاء والسيولة المادية. ولكن لا ينجح سوق ان كانت الضبابية صفته الرسمية والاحتكار شريعته الثابتة.
وان كان الانجاز المزعوم قد تعثر داخليا فما هو حال العلاقات الخارجية والصحوة الدبلوماسية السعودية والتي هي بدورها اداة فعالة للوهم والخيال. عامان من الدبلوماسية الخارجية والرحلات المكوكية بين عواصم عالمية والمبادرات السياسية فشلت في اعادة السعودية الي الخارطة الاقليمية كقوة فعالة في مرحلة استعادت قوي اخري قدرتها علي فرض نفسها علي الساحة العربية. ومهما تعالت الاصوات المطالبة بان تكون السعودية المحور العربي الذي تجتمع حوله الدول الاخري الا ان المرحلة الحالية اثبتت ان مثل هذه المطالب غير واقعية بسبب انحياز النظام السعودي لمفاهيم جديدة سياسية تخضع لادارة امريكية تحبه ولم يتم تسويقها او قبولها بشكل واضح وصريح من قبل الكثير من القوي السياسية الموجودة علي الساحة العربية. لم يستطع النظام السعودي حتي هذه اللحظة ترويض هذه القوي وتدجينها بطريقة تسمح باستيعابها واخماد معارضتها لمشروع احتلال العراق وتفكيك القضية الفلسطينية.
عامان في الحكم هما اشبه ما يكونان بمرحلة انتقالية قصيرة او جسر مترهل لم يستطع الملك الجديد ان يقوي ركائزه او يوطد اعمدته. فالاصلاح في الداخل معطل الي اجل غير مسمي وحملات الاعتقال وارهاب المواطنين ما زالت قائمة علي قدم وساق مما جعل النساء واللواتي يريدهن النظام ان يخرجن للعمل كخادمات منازل يخرجن في اعتصام امام ادارة المباحث في منطقة بريدة مطالبات باطلاق سراح ازواجهن المحتجزين دون محاكمة منذ فترة طويلة. مر هذا الحدث دون ان تلتفت اليه وسائل الاعلام المحلية او العالمية، بين خدمة النساء في المنازل ظلت حديث المجالس وسكب عليها الكثير من الحبر. ان اعتصامهن هذا دليل قاطع علي فشل النظام في تدجين المجتمع والذي بدأ يأخذ زمام المبادرة بعيدا عن الاضواء. لقد بدأت مسيرة الاصلاح السياسي والقضائي والاجتماعي باعتصامات النساء وقد اثبتن ان تهميشهن في السابق كان في مصلحتهن اذ ان شخصية الكثير من هؤلاء النساء قد نمت وتطورت بعيدا عن حلقات الخنوع وتقبيل الايادي والتي من المفروض ان تكون قد حضرها المرسوم الملكي السابق الذكر وقد تبلورت هذه الشخصية بمعزل عن عقود الذل التي يمارسها النظام تجاه الرجال من كافة الشرائح الاجتماعية. بدءا من شيوخ القبائل والعلماء والمثقفين وانتهاء بالرجل البسيط والميسور. بعد عامين من نظام الانجازات والرفاهية ليس لنا الا ان نفتخر بانجاز نسائنا واعتصامهن الجريء.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي