2007/06/25
عوائق الصحوة الدبلوماسية السعودية
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 25-06-2007
منذ مطلع العام الحالي استفاقت السعودية من سباتها الاقليمي لتأخذ علي عاتقها اطفاء الحرائق العربية المشتعلة. تمثلت هذه الصحوة علي المستوي الدبلوماسي بتنظيم مؤتمرات مكة. جمع المؤتمر الاول فقهاء العراق وكان هدفه نبذ الاقتتال الطائفي بين السنة والشيعة وتحريم دم المسلم، اما المؤتمر الثاني في مكة نفسها جاءته الفصائل الفلسطينية المتناحرة لتؤكد علي ضرورة قيام الحكومة الوطنية لتلعب دورها كسلطة فلسطينية موحدة.
تساءل الكثير عن جدوي هذه المؤتمرات ومدي فاعليتها علي اخماد الفتن وتوحيد الصفوف. اجمع المتفائلون علي اهمية الصحوة الدبلوماسية السعودية وقدرتها الخارقة علي تغيير التناحر والاقتتال علي الساحات المعنية ووجد هؤلاء في الاعلام مجالا فسيحا لتسويق هذه الصحوة وكأنها الامل الوحيد للخروج من متاهات العنف والطرق المسدودة التي وصل اليها الكثير من المعنيين بشأن بلادهم المحلي وتمزق اوصال اوطانهم تحت الضغط الخارجي.
استبشر الجميع خيرا بجهود النظام السعودي المدعوم من اللاعبين الرئيسيين في الساحة امريكا في العراق واسرائيل في فلسطين. اما المتشائمون او بالاصح الواقعيون نظروا الي هذه الصحوة الدبلوماسية من منظور الشك والتساؤل عن اهدافها وغاياتها وموقعها من الاعراب في النظام العربي الجديد. هذا النظام الذي يبدو وكأنه قد اصابه من الترهل والتمزق ما يجعله يقف متفرجا علي احداث المنطقة وكأنه يعيش في كوكب آخر وليس علي الارض. استطاع المشككون في الدبلوماسية السعودية ان يعتمدوا علي تطور الاحداث وتدهور الامن في المنطقتين العراقية والفلسطينية ليدعموا موقفهم المشكك بقدرة السعودية علي لعب دور الوسيط ودعم هذا الدور برمزية مكة المكرمة من جهة وبأموال النفط من جهة اخري. ظلت الساحة العراقية مشتعلة بل زاد اشتعالها وتكدست الجثث المجهولة الهوية في شوارع المدن العراقية رغم الدبلوماسية السعودية وتقاطر الاف الجنود الامريكيين وهم لا يأتون بحل دبلوماسي بل يأتون بالحديد والنار ليضعوا علي الارض تفاصيل الحل العسكري في مواجهة الفئات التي رفضت الاحتلال من سنة وشيعة. اما في فلسطين وبعد مؤتمر مكة استمرت المواجهات بين الفصائل الفلسطينية واحتوت المعركة التي انتهت الي سلطتين واحدة في الضفة الغربية واخري في غزة. تكرس التقسيم وبدأت الملاسنات والشتائم لتحل محل الحوار المدعوم سابقا من النظام السعودي حسب نتائج مؤتمر مكة.
يشير المتفائلون بالدور السعودي الي ادوار تلعبها انظمة اخري في المنطقة وتتهم هذه الانظمة بأنها تتربص بالسعودية وتفوت عليها فرص قيادة العالم العربي وتسحب البساط من تحت مبادراتها فتدهور الاوضاع السياسية والامنية هو من صنيعة هذه الانظمة المتربصة والتي تمول بطرق شرعية او غير شرعية فصائل مقاتلة مستعدة لاشعال الجبهات وكأنها تدار بالريموت كنترول من الخارج لتصبح اداة ووسيلة تستغل من قبل الانظمة المعادية للسعودية من اجل احباط صحوتها الدبلوماسية. ورغم سطحية هذا التحليل نجده يردد من قبل المسؤولين والناطقين باسمهم حتي يصبح حقيقة واقعية يصدقها الكثير من الذين يتبنون فكر المؤامرة علي السعودية ويروجون لنظرية المتربصين بها وبأمنها ودورها الاقليمي.
وان ابتعدنا عن فكر المؤامرة علي السعودية لنجد بعض التحليل الدقيق لمعضلة فشل الدبلوماسية السعودية لا بد ان نقيم مدي فاعلية مبادرات المصالحة السعودية في ضوء الحقائق الواضحة والتي نتجت وظهرت بشكل صريح واصبحت مستعصية الحل. اهم هذه الحقائق ما يدور حول موقع النظام السعودي علي الخارطة السياسية العربية. النظام السعودي ليس بالنظام المحايد والذي يستطيع بحكم حياده ان يلعب دور الوسيط بل هو شريك في كثير من الازمات من خلال اما الدعم المالي المعروف او من خلال الدعم المبطن. لم يكن لاحتلال العراق ان يحدث دون الدعم المبطن الذي حصلت عليه الادارة الامريكية من القيادة السعودية رغم كل الشعارات التي رفعت ورددتها وسائل الاعلام السعودية. اما في فلسطين فقد دخلت السعودية شريكا مع الدول الغربية في دعم طرف علي حساب الطرف الآخر وتثبيت قواعد مقاطعة حكومة حماس. جاءت الوساطة السعودية المتأخرة فاقدة للنزاهة منذ البداية لذلك ليس من المستغرب ان تتحول مؤتمرات مكة الي مهرجانات اعلامية مثبتة بالصوت والصورة وفاقدة لأهم ركن تحتاجه اي وساطة تتقيد بمبدأ الحياد حتي تضمن نجاحها في الامد القصير والبعيد.
الحقيقة الاخري خلف فشل الصحوة الدبلوماسية السعودية تكمن في كون النظام السعودي لا يحض علي اجماع عربي. تلعب اليوم السعودية دور الوسيط وتنافسها علي هذا الدور انظمة اخري منها النظام المصري والذي يعاني اليوم من تهميش لدوره وتجاهله في المحافل الدولية وبالاضافة للمنافسة السعودية ـ المصرية نجد ان الاولي اي السعودية فقدت الكثير من رصيدها في بلدان اخري خاصة سورية والتي خرج رئيسها في صيف عام 2006 ليصف الزعماء العرب بأنصاف الرجال نتيجة لموقفهم من العدوان الاسرائيلي علي لبنان. وبالاضافة الي تقلص الهيبة السعودية في بلاد الشام نجد ان المنافسة بين السعودية وغيرها من الانظمة العربية اقتربت اكثر واكثر من الحدود السعودية وللمرة الاولي في تاريخ السعودية وعلاقاتها الدبلوماسية نجد ان الخلافات الخليجية ـ الخليجية طفت علي السطح وخاصة بين قطر والسعودية. حتي هذه اللحظة لا تتقبل السعودية ونظامها بزوغ محرك جديد رغم صغر حجمه له ثقل كبير ليس فقط علي الساحة العربية بل ايضا العالمية. استطاعت قطر بجزيرتها ونفطها وقيادتها ان تتحرر من الهيمنة السعودية وتخرج الي العالم بحلة جديدة لم تكن السعودية مهيأة لتقبلها والتعايش معها. وخارج الحدود العربية وجدت السعودية نفسها وجها لوجه امام لاعب كبير ايراني استطاع ان يبني جسورا ليس فقط مع بعض الانظمة العربية بل مع حركات شعبية تحمل السلاح ومستعدة لاستعماله في سبيل مصالحها وليس مصالح الدولة الممولة.
من العراق مرورا بفلسطين لبنان نجد ان هناك فصائل مقاتلة مدعومة سياسيا وماليا وايديولوجيا من قبل جهات لم تستطع السعودية حتي هذه اللحظة ان تقلص من نفوذها علي الساحة العربية. وبينما كانت الانظمة العربية هي الداعمة لمثل هذه الحركات وسابقاتها نجد ان ايران اليوم قد اصبحت جزءا من المعادلة العربية بمشاكلها وحلولها ان كانت لها اي حلول مستقبلية قريبة.
الحقيقة الثالثة وراء فشل الدبلوماسية السعودية حتي هذه اللحظة يكمن في كون المبادرة اليوم ليست في ايدي الانظمة ذاتها بل هي تحولت الي من له قوة عسكرية علي الارض يستطيع من خلالها ان يفرض نفسه علي الساحة. وخاصة في مناطق مثل العراق وفلسطين ولبنان فرغم الجيوش الامريكية العتيدة في العراق والقوة العسكرية الاسرائيلية في فلسطين والدعم المالي لحكومة لبنان نجد ان الفصائل المسلحة هي التي تحدد موعد المعركة وساحتها رغم انها قد لا تكون مسيطرة تماما علي نتيجتها. هذا الوضع الجديد يحد من قدرة المبادرات علي استيعاب الاطراف المتناحرة وجرها الي طاولات الحوار تحت المباركة السعودية. وان كانت هذه الفصائل لا تأبه بأن تعد شهداءها ولا تنقص قدرتها الضربات القاسية التي تتلقاها ولا تتلاشي هيبتها ان هي فقدت رجالها تماما كما يحصل عندما يتلقي عساكر الانظمة حتفهم علي ايديها نجد اننا امام وضع جديد لا تستطيع الدبلوماسية ان تتعاطي معه.
واخيرا ومن اهم الحقائق هو ان الصحوة الدبلوماسية السعودية لم تستطع ان تخرج من المخطط الكبير الذي ترسمه الادارة الامريكية وارتباط هذه الصحوة بخيوط البيت الابيض يجعل من الصعب عليها ان تكسب شرعية عربية خارج الانظمة الاخري والتي هي ايضا مرتبطة اكثر بمصلحة الولايات المتحدة تماما كما هو النظام السعودي. لن تنجح الدبلوماسية السعودية في حل الازمات العربية طالما بقيت هذه الدبلوماسية رهينة للقوة الامريكية وتستمد زخمها من الارادة الامريكية وهي بمجملها لم تنجح بعد في سماع صوت الشارع العربي الرافض لوجهة نظرها ولكن هذا الشارع استطاع ان يقوض المخطط ويبرهن ان الرياح قد تجري بما لا تشتهي السفن.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- كوميديا سعودية تسخر من المجتمع
- السعودية: عنبر خمس نجوم في مملكة الانسانية
- السعودية: هاجس تعددية الفتاوى
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي