2007/05/07

السعودية: إرهاب الرغيف أم الهوية؟

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ: 07-05-2007

ظهرت عدة نظريات كلها تطرح تفسيرات للارهاب او ما يسمي كذلك رغم عدم الاتفاق علي المصطلحات والمسميات ورغم ان ليس المسلمون وحدهم من يحتكر هذه الممارسات الا ان هذه النظريات ركزت علي تفسيرات تعزز اللحمة بين المسلمين وظاهرة الارهاب. معظم نظريات الارهاب تشدد علي انه معولم ويحتاج الي نظرية هي ايضا معولمة اي تطرح تفسيرا يتجاوز ما هو محلي من اجل الوصول الي حل عالمي تشترك فيه دول كثيرة خاصة وان الحلول الامنية تحت مظلة الحرب علي الارهاب استدعت جهودا عالمية.

ساعدت عدة عوامل علي الوصول الي نتيجته ان الارهاب عالمي اولا كالبتفجيرات التي حصلت في بلدان متعددة منها في اوروبا واسيا وامريكا وافريقيا.

 وثانيا الخطاب الجهادي نفسه معولم بمضمونه وبالوسائل التي تنشره. فهو يخاطب المسلم في اي مكان ولا يلتزم بخصوصية بلده او محلته رغم وجود تكتلات ومجموعات تحمل مصطلحات تشير الي فروع في المشروع المعولم كالقاعدة في المغرب العربي او في بلاد الرافدين او في جزيرة العرب. عولمة الخطاب والمضمون والوسيلة ادت الي طرح حلول عالمية واستراتيجية مشتركة تتبناها الدول ولكن علي خلفية المشكلة والحل نجد ان النظريات المفسرة للظاهرة تختلف في منحاها.

 احدي هذه النظريات تطرح العلاقة بين الاسلام ونصوصه والظاهرة الحديثة كسبب رئيسي خلف تفشيها. فيري البعض ان الاسلام نفسه يفرخ هذه الظاهرة بسبب وجود نصوص تدعو الي محاربة الكفار وتبرز هذه النظرية في فكر بعض المستشرقين والمتخصصين بدراسة الاسلام معتمدين علي النص. نظرية اخري تعزو تفشي الظاهرة الي اوضاع اجتماعية واقتصادية تهييء الخلفية لتبني الارهاب كوسيلة وممارسة ويتبني بعض الكتاب من اليسار الغربي الربط بين معضلة الرغيف ومعضلة الارهاب ليصبح الحل في محاربة العوز والفقر. نظرية ثالثة تربط بين الهيمنة الغربية ومشكلة فلسطين والعراق وافغانستان وظاهرة الارهاب وتطرح حلا من خلال الانفراج السياسي والدبلوماسي للقضايا العالقة كخطوة اولي لحل الارهاب والقضاء عليه. نظرية رابعة تربط بين غياب الممارسة الديمقراطية والقمع في سجون الانظمة الحاكمة وبين تفشي ظاهرة الارهاب.

نعتقد ان معظم هذه النظريات تخلط بين البيئة التي ينشأ فيها الارهاب والسبب الذي يكون مسؤولا عن تفشيه. كذلك يتم الخلط بين الخطاب الجهادي المعولم والواقع الخاص لكل بيئة ينتشر فيها الارهاب. لا نعتقد ان الارهاب بحث عن رغيف وهو ايضا ليس ردة فعل علي الهيمنة الغربية او انعدام الديمقراطيات ومؤسسات المشاركة الشعبية اذ ان الارهاب يحصل في بيئات مختلفة وانظمة سياسية تتفاوت في ديموقراطيتها وقمعها من بريطانيا مرورا باسبانيا ودول المغرب وآسيا والمشرق وغيره. كذلك الحال بالنسبة للعامل الاقتصادي حيث تتفاوت نسبة الفقر بين هذه الدول ولا مجال لمقارنة العوز وحدته دوليا لنصل الي رفض المعادلة التي تربط الارهاب بالرغيف او الهيمنة الخارجية او انعدام الديمقراطية.

اذا ما هو السبب وراء هذه الممارسات وانتشارها في العالم، الاجابة علي هذا السؤال والذي ما زال يحير الكثير تتطلب تجاوز الخطاب المشرعن للارهاب المعولم والبحث عن خصوصية كل منطقة حتي نستطيع ان نخرج بمفهوم جديد يتجاوز البحث عن اسباب عالمية تشرح الظاهرة في كل مكان واينما وجدت.

 اولا يجب ان نقر ان الشهادة في سبيل عقيدة ما ليست حكرا علي المسلمين اذ اننا نجدها قد استدعيت في ديانات اخري واستعملت في حقبات زمنية غابرة وحديثة معاصرة ونذكر منها البوذية حيث تجلت فكرة الانتحار في ممارسات الطيارين اليابان خلال الحرب العالمية الثانية ومنها استشهاد القديسين المسيحيين دفاعا عن عقيدتهم ومنها ايضا التاميل في سيريلانكا وكذلك الاصوليون المسيحيون المؤمنون بنظريات نهاية العالم وبينما استعمل هؤلاء الاستشهاد المفروض علي المؤمن وحده لجأ بعضهم الي العنف الموجه ضد الآخر كدفاع عن مبادئه وعقيدته.

 اذا معضلة العنف المشرعن دينيا ليست حكرا علي المسلمين ونصوصهم بل هي ظاهرة عرفتها المجتمعات البشرية باختلاف دياناتها وعقائدها. وتعددت هذه الممارسات في الوقت المعاصر بشكل واضح وصريح واصبح هذا العنف متبنيا من قبل مجموعات مختلفة ومتباينة. وان اردنا تفسير العنف المعاصر الحديث يجب ان نفتش عن اسبابه في ردة فعل مجتمعات متباينة علي الحداثة ذاتها. اتت الحداثة بكثير من الامور والتطورات واهمها وهو ما يهمنا هنا انها استبدلت المرجعية في كثير من المناطق في العالم من مرجعية دينية الي مرجعية لا تعتمد علي خلفية دينية بل ترتكز علي معطيات انسانية بحتة. لم تنف الحداثة الدين بل حددت مفهومه وتعريفه بمفهوم ضيق. اصبح الدين مع الحداثة مشروعا شخصيا انفراديا لا يتعدي الروحانية الذاتية والطقوس والعبادات ولكنها نفت ان يكون للدين مفهوم شامل للجماعة القومية او الوطنية او الاثنية. يحدد مسارها ويفرض سياسة او تنمية بشرية او علاقات دولية وتطورات اقتصادية. وعندما انغمس العالم اجمع بمفهوم الدين الضيق الذي افرزته الحداثة اما طوعا او اكراها ظهرت مجموعات ترفض هذا التأطير الصغير لدور الدين في المجتمع والسياسة والاقتصاد واعتقدت المجموعات هذه من الاصوليات المسيحية والهندوسية والبوذية والمسلمة ان مشروع الحداثة يهمش الروحانيات ويحصرها في نطاق لا يتجاوز الفرد وطقوس العبادة ولكنه لا يسمح للمرجعية الدينية ان تكون حاضرة علي مستويات العمل الجماعي في اطار الدولة ومؤسساتها فصرخت صرخة عالية وكلما ارتبطت هذه الصرخة بالعنف تجد ان الكثير قد يسمعها خاصة واننا نعيش في عالم تتصدر الصورة المرئية حيزا مهما في اهمية الخبر وانتشاره عالميا.

سبب هذه الصرخة هو البحث عن وسيلة لاعادة الهوية الدينية ليس كهوية فردية او هوية تراثية او هوية طقوسية تتبلور في المعابد والمساجد وطقوس الصلاة والحج والمواسم الدينية بل كهوية تحدد مسار المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعالميا. وان عدنا الي معضلة العنف في المجتمعات العربية والمسلمة فسنجد ان الحداثة اخذت طريقها الي هذه المجتمعات واصبحت هذه الكيانات تعتمد علي مرجعية خارج نطاق المرجعية الدينية واصبح الكثير في هذه المجتمعات يتبني المفهوم المحدد للدين الذي يختزله بالفرد وحريته الشخصية واصبحت القوانين والنظم الاجتماعية والتشريعات الاقتصادية مستمدة لشرعيتها من مرجعيات اخري ونظم عالمية وقوانين وصفية وقلصت الكثير من هذه المجتمعات وقياداتها مفهوم الدين كمصدر للتشريع والنظرة العامة واختزلت بالاحوال الشخصية متبنية بذلك تطورات حصلت في انحاء مختلفة من العالم.

 العنف هو حصيلة لانخراط المجتمعات العربية والمسلمة في المشروع الحداثي ولو بنسب متفاوتة ودرجات متباينة اذ افرز هذا الانخراط كما هو حاصل فئات اجتماعية تطالب باعادة المنظومة الدينية لتصبح المرجعية الاولي والاخيرة للكتلة الاجتماعية الكبيرة، بالطبع هذا التفسير للعنف كردة فعل علي مشروع الحداثة لا ينطبق علي العنف المسلح الذي قد تتبناه فصائل مقاومة لاحتلال ما في مناطق متفرقة من العالم وان كان خطابها ينطلق من منطلقات دينية صرفة اذ اننا لا نعرف عن حالة مقاومة لاحتلال لم تلجأ الي العنف والقتال المسلح بدأ بالمقاومة الفرنسية للغزو النازي وانتهاء بمقاومة الاحتلال البريطاني للهند رغم كل ما كتب عن المقاومة السلمية لغاندي ونهجه اذ ان العنف صاحب هذا التيار السلمي بل ايضا سبقه عندما ظهرت بدايته في المواجهة مع الاحتلال البريطاني في منتصف القرن التاسع عشر.

 العنف الذي نحن بصدده يختلف تماما عن حالات المقاومة التي شهدتها بلدان العالم وخاصة في مرحلة الاستعمار والهيمنة الغربية.

 العنف الحديث الذي ظهر في عواصم اوروبية ومنتجعات سياحية عربية واسيوية بعضه استهدف مصالح غربية وكثير منه كان موجها لاهداف اخري في هذه المجتمعات هو محاولة لمقاومة المنظومة الحداثية التي تختصر المرجعية الدينية وتحد من تأثيرها علي تطور الجماعة الكلية. العنف هذا هو افراز من افرازات الحداثة ويتبني الكثير من تقنيتها وابتكاراتها الجديدة لكنه يحتوي علي رسالة رافضة ليس لتقنية الحداثة بل لمسارها وهيمنتها علي الكتل البشرية والسياسية وخاصة اختزالها للدين في حيز ضيق.

الحداثة لم ترفض الدين ولكنها ترفض ان يكون المرجعية الوحيدة المهيمنة علي المجتمع. وهنا سبب التصادم العنيف بين من يتبني الطرح الحداثي من قادة ومفكرين ومنظرين وبين من يتصدي لعملية الاختزال. اين يقبع الحل اذا؟ لا يوجد حل سحري ووصفة طبية فعالة ولكن الحل دوما يتطلب انخراط طرفي الصراع في عملية حوار تكون قاعدتها استعدادهما للتنازل والتفاوض. علي دعاة العنف ان يقتنعوا ان رسالتهم المصحوبة بالعنف تصب في صالح معارضيهم وتزيد من تشددهم في رفضهم لهذه الرسالة لانهم يعطونهم مادة حية يعتمدون عليها في تبرير رفضهم والمجتمعات البشرية تنبذ العنف وتحاول دوما ان تخرج من دوامته رغم انها قد تغرق فيه لمدة طويلة وتكون مشاركة فيه. رفض العنف هو خطوة اولي قد تساعد علي ايصال صوت الاحتجاج وقد تؤدي الي اعادة صياغة الحداثة ذاتها بشكل يجعل هناك مجالا لتقبل المنظومة الدينية كمرجعية بنفس الثقل الذي تحظي فيه المرجعية المعتمدة علي الانتاج البشري.

ومن جهة اخري يجب علي الجانب الآخر ان يفهم ان هناك مجموعات لا يمكن تجاهلها وتجاهل اصواتها وتبدي انفتاحا علي رسالتها قد يؤدي الي انخراطها بمشروع حداثي يتطور علي أسس تختلف تماما عن الحداثة التقليدية القديمة.

نبذ العنف من جهة واستعداد الطرف الآخر للقناعة بأن هناك حداثات متعددة قد تتطور بجانب النمط القديم ربما يساعد علي الخروج من مأزق الهوية الكبيرة والتي يبحث عنها الكثير في مجتمعات تختلف عن بعضها البعض ولكنها مع الحداثة اصبحت هذه الهوية الشغل الشاغل لفئات اجتماعية ترفض ان تختزل دينها بسلسلة احتفالات شعبية وطقوس روتينية وحالات زهد وتقوي فردية. البحث عن الهوية في عالم امتزجت فيه الهويات هو بحث عن المقدس في عالم اختفت منه القدسية.


أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية