2007/04/30
السعودية: التكفير بين الدولة البائدة والحديثة
مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 30-4-2007
مرة اخري سقطت المؤسسة الدينية السعودية الممثلة باللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في وحل السياسة الرسمية لولي الامر عندما تطوعت باصدار فتوي تكفير الدولة الفاطمية ردا علي تصريح معمر القذافي الداعي لدولة فاطمية ثانية في المغرب العربي. اعتمد النظام السعودي علي زج المؤسسة الدينية في صراعاته السياسية مع الزعماء العرب رغم انه يبعد هذه المؤسسة عن الامور السياسية في داخل البلد.
فبعد تكفير جمال عبد الناصر والخميني وغيرهما من الذين تصدوا للسياسة السعودية جاء اليوم دور تكفير الدولة الفاطمية البائدة تماما كما كفر علماء السعودية سابقا الدولة العثمانية. وهم بذلك يسيرون علي خط تكفيري واضح يبدأ بتكفير المجتمعات كتكفيرهم لابناء الجزيرة العربية عند مطلع القرن العشرين من اجل تثبيت شرعية الدولة السعودية الحالية وينتهي عن تكفير اشخاص معينين ربما قد ازعجوا النظام السعودي.
نحن هنا بصدد سلسلة طويلة من اطروحات تكفيرية للاشخاص والمجموعات من باب تكفير المعين والعموم ولكن اليوم نحن بصدد تكفير مع مفعول رجعي اي الذي يصدر في الحاضر ويكون المقصود به كيانا سابقا قد ولي ولن يعود.
ما يلفت اهتمامنا في نص تكفير الدولة الفاطمية هو المقطع التالي: تقول الفتوي ان تسمية الدولة بالفاطمية خداع للمسلمين (لانها سميت باسم بنت الرسول صلعم) وان مؤسسها مجوسي وان حاكم مصر وقتها هو وأسلافه كفار فساق فجار ملحدون. زنادقة معطلون للاسلام.. عطلوا الحدود واباحوا الفروج واحلوا الخمر وسفكوا الدماء وسبّوا الانبياء. وهي مبنية علي غش وخيانة للاسلام واهله. انتهت الفتوي ولكن دلالاتها ومعانيها ورموزها ولغتها تبقي تستحضر الحاضر وتستدعي مقارنة مع الفتاوي الجهادية في الدولة السعودية. فبينما علماء المؤسسة الدينية السعودية لا يتجرأون الا علي التعاطي مع العصور البائدة حتي تسلم رقابهم من سيف ولي الامر نجد ان ابناءهم وتلامذتهم من التيار الجهادي قد تجاوزوا عقدة قدسية ولي الامر وعصمته وأفتي اعلامهم بمدي اسلامية الدولة الحالية والتي هم في صدد حربها والاحتراب معها. مدي التشابه بين هذه الفتاوي وفتاوي المؤسسة الدينية امر واضح وصريح وليس علينا الا ان نستبدل مصطلح الدولة الفاطمية بمصطلح الدولة السعودية لنحصل علي فتوي جهادية حديثة يقول علماء المؤسسة الدينية ان مؤسس الدولة الفاطمية مجوسي ويقول الجهاديون ان مؤسس الدولة السعودي يهودي. ويقول علماء المؤسسة الدينية ان الحاكم وأسلافه كفار. ويقول الجهاديون ان مؤسس الدولة السعودية وبطانته كفار. ويقول علماء المؤسسة الدينية انهم فساق فجار ملحدون. وكذلك يقول الجهاديون في الدولة السعودية. وان عطل حكام مصر الحدود فكذلك يقول الجهاديون في حكام الرياض وان اباح حكام مصر الفروج واحلوا الخمور فكذلك يقول الجهاديون في حكام السعودية وان كان حكام مصر غشوا وخانوا الاسلام فكذلك يقول الجهاديون عن حكام بلادهم الحاليين. الفتوي ذات المفعول الرجعي هي مرآة لكثير من فتاوي التكفير الحديثة وتتضمن نفس المصطلحات والمعاني والدلالات. الفرق هو فرق زمني فبينما تتناول فتاوي المؤسسة الدينية الدول القديمة نجد ان فتاوي الجهاديين تعني بالدول الحديثة. وبينما تكفر المؤسسة الدينية ما هو خارج الحدود الجغرافية نجد ان الفتاوي الجهادية مشغولة بما هو داخل الحدود. كيف يمكن تفسير التقارب الفكري واللغوي بين الموقف المؤسساتي ومرآته الجهادية؟ وما هي الاستنتاجات التي يصل اليها المراقب لمثل هذا التقارب؟ ولماذا تبتعد المؤسسة الدينية عن تطبيق ما يمليه عليها علمها الشرعي داخل حدود دولتها رغم ان مآخذها علي الدولة الفاطمية هي نفس المآخذ التي تذكرها الفتاوي الجهادية عن الدولة السعودية؟ ولو انخرط التيار الجهادي في مشروع الفتاوي التكفيرية الرجعية زمنيا والبعيدة جغرافيا لربما بقي رموزه احرارا طلقاء قد يرتفع اكثرهم الي مناصب كبار العلماء وينضم الي المؤسسة المعروفة باللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء ويبعدون عن انفسهم تهمة خوارج العصر والفئة الضالة. من المنظور السعودي الرسمي يعتبر التيار الجهادي مخلا بالمعادلة القديمة المفروضة علي علماء المملكة وهي تقديس الداخل وتكفير الخارج. ما يقوم به التيار الجهادي يخل بهذه المعادلة ويقلبها رأسا علي عقب اذ انه ليس معنيا بالدول البائدة، بل بالدول الحديثة متبعا في منهجيته واجتهاداته ولغته علي اصدارات المؤسسة الرسمية ذاتها وهنا تقبع الصعوبة في هزيمة هذا التيار امنيا او فكريا. مآخذ المؤسسة الدينية علي الدولة الفاطمية هي نفسها مآخذ التيار الجهادي علي الدولة السعودية. فكيف يحارب الفكر بالفكر ذاته؟
لقد وقعت الدولة السعودية فريسة لفكرها والذي علي اساسه قامت وبررت وجودها وشرعنت لكيانها.
يخوض النظام السعودي اليوم حربا مع ذاته وليس مع الفكر الدخيل. وبينما تشن المؤسسة الدينية حملة تكفيرية ضد دولة بائدة ولو كانت ما زالت قائمة لجندت المئات من الشباب من اجل جهادها نجد ان التيار الجهادي قد جند الآلاف من الشباب فكريا وعمليا من اجل الجهاد ضد الدولة الحالية. واعلان السعودية عن اعتقال اكثر من مئة وسبعين شخصا وتفكيك خلايا واستيلاء علي اسلحة ثقيلة ما هو الا دليل علي مدي عمق المشكلة التي تواجهها الدولة الحديثة. تكفير ما هو وراء الحدود انقلب واصبح مشكلة محلية.
النظام الذي يعتمد علي زج المؤسسة الدينية في خصوماته السياسية الحالية يجد نفسه مستهدفا من ابناء هذه المؤسسة والذين طبقوا ما تعلموه في محيطهم الداخلي. اعتقالات يوم الجمعة 27 نيسان (ابريل) ان دلت علي شيء فهي تدل علي معضلة وفخ عميق لن يخرج منه النظام السعودي سالما. اعتمدت ديمومة النظام السعودي علي عاملين مهمين اولا الدعم الخارجي وثانيا سوط التكفير الذي يضربون به معارضيهم ويخرسون به منتقديهم ولكنهم اليوم هم انفسهم يتعرضون لحملة التكفير هذه والتي كانت دوما موجهة للخارج والذين يكفرونهم لا يستوردون اجتهادات من وراء البحار ولا فكر من خارج الحدود بل ان فكرهم محلي ومفرط في محليته. الفرق بين هؤلاء ومريديهم الاولين والحاليين بسيط وهامشي. وكلما حاول النظام ان يظهر بلباس الاسلام المعتدل ويكثر من الوعظ والارشاد عن الوسطية وايجابياتها ويندد بالتطرف وسلبياته لن يستطيع ان يعيد التاريخ الي الوراء. وان كان هذا النظام اعتمد سابقا علي فكر ما يسمي بالمجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليمرر مشروعه السياسي المهيمن علي الجزيرة العربية الا انه اليوم لا يجد مجددا للدين ينتشله من تداعيات فكر المجدد الاول. علماؤه يتخبطون تارة يحدثوننا عن حسنات دولة الاسلام الحالية وتارة يشجبون المستهلكين لسياساتها الاعلامية والاجتماعية بعضهم لا يدري هل هو سلفي ام ثوري ام واعظ ام مبرر لسياسة الدولة. كلهم يشجع الجهاد خارج الحدود ويدينه ان هو اقترب من صحاري الجزيرة كلهم يكفر حكام العرب ويعدد زلاتهم وهي نفس زلات ولي امرهم. يحتار هؤلاء بين كتمان العلم واعلانه علي الملأ. يتخبطون بين انكار المنكر سرا او علنا. يتحاورون عن شرعية تكفير المجتمع وينسون معضلتهم مع ولي امرهم ومسألة تكفيره. وحركاتهم الاسلامية ومواقعهم الالكترونية تنقل للملأ اخبار الجهاد في العالم وتصمت عن تطوره في بلادهم. بعضهم فضل ان يتبني مواقف تحسب علي الاخوان المسلمين وآخر حاول ان يمزج بين هذه المواقف وسلفية الاوليين المحليين ولم تنجح عملية المزج هذه ولم تتبلور نتائجها بعد. اما الشرائح الاخري فهي ليست بأفضل من هؤلاء كليبراليي السعودية الذين يمارسون عملية انتقائية مفضوحة عندما ينهلون من منابع الفكر الليبرالي ويكتفون بحملات عشوائية علي العلماء وفتاويهم وكأنهم لا يعلمون ان في الليبرالية سياسة ومنهج حكم. يجلدون المجتمع ويعتبرونه متخلفا متقوقعا خلف الاعراق والانساب والطوائف والقبائل ولا يبحثون عن الاسباب الحقيقية وراء هذا التقوقع. يتشدقون بالوطنية ويتغنون بالولاء للوطن والكل يعلم ان ولاءهم لولي امرهم الذي يفتح لهم المنابر الاعلامية والصحافية في كل مكان ليذكروا العالم بانجازاته ومشاريعه التنموية وسياسته الداخلية والخارجية وانتصاراته في عصر المبادرات العربية. وفي جلدهم للمجتمع يشاطرون علماء المؤسسة الدينية الرأي ويتفقون معها علي عصمة ولي الامر والذي لا يخطئ بل يصيب دوما في سياسته. وان كفر علماء الدولة مجموعة او دولة او شعبا كاملا فهم ايضا يسلون اقلامهم ويصلبون من صلبه العلماء معتمدين ليس علي ما قال الله وقال الرسول، بل علي مصطلحات عصرية يصفونها في مقالات كثيرة تنتشر في صحافة تعبر الحدود. ينتقدون الدكتاتوريات العربية وانتهاكات حقوق الانسان في دول الجوار ويتناسون مصير الانسان في ما يسمي بمملكة الانسانية المحلية.
امام هذا الواقع المتسم بالنفاق الواضح والصريح تظل الجزيرة العربية صامتة تنتظر اعلانات وزارة الداخلية السعودية عن القبض علي من نحر رجل امن او قتل فرنسيا او اغتصب امرأة او استورد ذخيرة حية او سرق اموالا هامشية في ملف سرقة الاموال الكبير. ينبهر هؤلاء بانجازات القضاء علي الارهاب ويتناسي الكثير انهم هم من صنعوه ونظروا له وما زالوا يمارسونه خارج الحدود، لكنه كالمهاجر الذي لا بد ان يعود الي وطنه ولو بعد حين.
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- January 2012
- December 2011
- November 2011
- October 2011
- September 2011
- August 2011
- July 2011
- June 2011
- May 2011
- April 2011
- March 2011
- February 2011
- January 2011
- December 2010
- November 2010
- September 2010
- August 2010
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- الدرر السعودية في فهم المطالب الشعبية
- تشنج النظام السعودي
- الوحدة الخليجية: بعيدا عن دغدغة المشاعر
- السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة
- السعودية: انتظار البيان التالي
- من جدة الى القطيف: مأساة وطن
- السعودية: هذا الدين حملوه ما لا يحتمل
- من يسخن الحرب الباردة بين السعودية وايران؟
- السعودية وثلاثي لندن المستعصي
- السعودية: البيعة بين الخاصة والعامة
- عقود التهميش في السعودية
- السعودية وفقاعات وزارة العدل الامريكية
- السعودية: حل المسألة الشيعية جزء من التغيير السياسي الشامل
- الحكم التسلطي والمرأة علاقة عشق قديمة
- السعودية وجدل الخادمة المغربية

