2008/11/17

السعودية: حوار الأديان ممارسة وليس مبادرة

مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 17-11-2008 على خلفية مبادرة حوار الأديان التي انطلقت من اسبانيا ووصلت إلى الأمم المتحدة برعاية الملك عبدالله، تجري حالياً ثرثرة في أروقة سعودية عن التمهيد لترشيح الملك لجائزة نوبل للسلام، وان كان من مستلميها في السابق شخصيات مثل مناحيم بيغن وأنور السادات لن نستغرب أن تمنح هذه الجائزة للملك السعودي مكافأة له على جهوده الجبارة في مجال حوار الأديان والمبادرة العربية للصلح مع اسرائيل، والتي انطلقت منذ عام 2002 ولكنها تظل حتى هذه اللحظة رهينة القرار الاسرائيلي المتخبط والرافض لبنود كثيرة في طيات المبادرة. وفي حال تحركت الآلة السعودية مستقبلاً من أجل استلام الملك لمثل هذه الجائزة وهو أمر مستبعد ولكنه ليس مستحيلاً سينبهر العالم بانجاز وهمي لن يحقق السلام المنشود تماماً، كما حصل عندما استلم سابقون هذه الجائزة الرمزية وفشلوا في مبادراتهم لتحقيق سلام دائم يعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها.
تأتي مبادرة حوار الأديان الحالية كحلقة مفرغة في دوامة طويلة اضطرت السعودية تحت ضغطها لان تتصدر مبادرات وهمية ليست لها أرضية تاريخية أو فكرية أو اجتماعية في البلد نفسه. وتماماً كما نستورد مأكلنا وملبسنا وآلاتنا نحن اليوم بصدد استيراد الأفكار والتطورات من الخارج ومنها اليوم مفهوم حوار الأديان والذي لم تشهد السعودية في تاريخها الحديث وتحت سلطة النظام السعودي لا ممارسته ولا فكره.
أما عن الممارسة فحدث ولا حرج فمن عملية الاقصاء التي يتعرض لها المسلمون ونقصد هنا السنة بالذات الى تهميش ورفض الآخرين من الطوائف المتعددة إلى محاربة أصحاب الديانات الأخرى وتقليص حريتهم الدينية والحجر على ممارساتهم وطقوسهم، نجد أنفسنا بصدد صورة سوداوية أهم ملامحها فرض تفسيرات دينية محدودة على طيف كبير من المسلمين الذين يحاربون في عقر دارهم. نذكر هنا محاربة المدارس الفقهية السنية في مكة وغيرها وفرض حنبلية ضيقة على القضاء والمناهج التعليمية حتى كادت التعددية القديمة أن تنقرض تحت مظلة الهيمنة السعودية، لولا جهود جبارة يقوم بها بعض الحريصين على مذاهبهم الغيورين على تعددية الاسلام القديمة والتي قضى عليها النظام السعودي والانتلجنسيا الدينية التي تدور في فلكه.
وان انتقلنا إلى الفكر واستنجدنا به لننبش التاريخ السعودي بحثاً عن الاعتراف بالآخر المسلم فلن نجد سوى أطروحات الاقصاء والتكفير والتبديع، التي تراكمت لتحارب التعددية الاسلامية بطرفها السني والآخر الشيعي والاسماعيلي والصوفي والاباضي، إلى ما هنالك من موزاييك اسلامي نما وتطور من عشرات القرون. ولن نجد سوى ملاسنات تنفي هؤلاء من الوجود تماماً كملاسنات المؤسسة الدينية السعودية مع نظيرتها في بلدان اسلامية متعددة المعارك السعودية مع الشيعة الاثني عشرية والصوفية والاباضية العمانية تملأ مجلدات كبيرة عكرت أسس التعايش مع العالم الاسلامي وجعلت من الحج مثلاً رحلة مثقلة، حيث يتعرض المسلمون لعملية فرض هيمنة دينية تمنعهم من ممارسة شعائرهم على طريقتهم وكما تعلموها في مدارسهم وقراهم ومدنهم التي تختلف عن السعودية إختلافاً شاسعاً.
ليس من الخطأ أن يبادر الملك السعودي ويدعو إلى حوار الأديان ولكن إما انه لا يعلم تاريخه وتاريخ الفكر الذي قامت عليه دولته وهذه مصيبة، واما انه يعلم ويغض الطرف عن أكبر عملية إقصائية مورست ضد الكثيرين من أبناء هذا البلد وهذه مصيبة أعظم. قد يقول قائل ان الله عفا عما سبق ونحن اليوم بصدد فتح صفحة زاهية جديدة وحرق مراجعنا السابقة وممارسة نوع من فقدان الذاكرة كي ننسى تاريخاً حافلاً من الاقصاء والتهميش وحتى العنف والقتل الذي جرى تحت مظلة تطهير الإسلام من البدع، ولا بد أن نذكر ان الشعوب لا تنسى بسهولة وتظل ذاكرتها حية خاصة وان تعرضت لعنف غير مبرر وقهر منظم وقتل عمد. وقبل أن نحاور الآخر غير المسلم أليس أحرى بنا أن نتحاور بيننا ونوقف الممارسات الشاذة التي تفرض على الآخر تفسيرات محدودة وممارسات ضيقة؟ أليس أحرى بنا أن ننبش تاريخ حوار الأديان في عالمنا الاسلامي وهو مع الأسف خارج حدود السعودية الحالية تحت مظلة نظامها لنتعلم دروساً عن كيفية التعايش والحوار وكلاهما لم يحتاجا إلى مبادرات وإعلام؟ هل نستدعي بلاط الامبراطور الهندي أكبر وممارساته في دولته لنتعلم كيف تعايش المسلم مع الهندوسي والبوذي أو ننتقل إلى بلاط حكام الأندلس حيث تعايش المسلم مع اليهودي من خلال الممارسة وليس المبادرة. وان تركنا البلاط لأصحابه وانتقلنا إلى المغرب العربي ألسنا هنا بصدد تعايش اجتماعي وديني بين مسلمين ويهود لم يعكر صفوه الا سياسة عنصرية صهيونية قدمت من الغرب لتقوض السلم الاجتماعي بين جاليات اشتركت في الثقافة والمعيشة والرزق وان اختلفت دينياً؟
لننتقل الى العراق الجريح والصراع الطائفي بين سنته وشيعته ومسلميه ومسيحييه، الم تتعايش فيه جالية يهودية على مدى قرون وبرزت فيها شخصيات تبوأت مناصب رفيعة ولم تنته هذه الجالية الا عند منتصف القرن العشرين تحت ضغط خارجي جاءها من الذين يتزعمون حوار الأديان من الجانب الاسرائيلي المجتمع مع جلالة الملك في أروقة الامم المتحدة؟ ولنذهب الى اليمن حيث أقامت جالية يهودية قديمة شاركت المسلمين في المأكل والطقوس لمئات من السنين وكان مصيرها كمصير غيرها في العالم العربي عندما شدت الرحال وانتقل الكثير منها الى اسرائيل تحت الضغط الذي مورس في شمال افريقيا والعراق وغيره من البلدان العربية. اما التعايش الاسلامي ـ المسيحي فله تاريخ طويل لن تفصله مقالة صحفية بل له مجلداته الكبيرة وعبره العظيمة. ولم يكن هذا التعايش نتيجة مبادرات ومؤتمرات دولية بل كان ظاهرة اجتماعية فريدة وان تخللتها المناوشات والصدامات بين الحين والحين إلا انها كانت ظاهرة لم تعرفها الشعوب الغربية او قلب الجزيرة العربية حيث نشأت حركة ترفض التعددية وتدينها تحت غطاء هيمنة سياسية فجة عزلت المنطقة عن ممارسات اسلامية وعربية سابقة.
نستطيع ان نجزم ان صراع الهويات الدينية ليست له علاقة بالأديان وانما بمظاهر سياسية وممارسات خاطئة وضغط خارجي لم تفلت منه المنطقة العربية حتى هذه اللحظة. ومبادرة الملك عبد الله اعتمدت على فهم خاطئ للتحول التاريخي للمنطقة وسياسة حكوماتها والقوى الخارجية المهيمنة عليها. ومن المستغرب ان تتصدر اكثر الدول ممارسة لسياسة القمع والتهميش والاحادية لمؤتمر لن يكتب له النجاح ولو اجمعت الدول كلها على تبني توصياته، ولطالما لم تتغير الممارسات السياسية الهادفة الى تأجيج التفرقة لمآرب سياسية لن نصل الى مفهوم التعايش المرجو بين من اختلفت أديانهم ومللهم وجمعتهم انسانية عالمية. وان ظلت الاقصائية الاقتصادية والتهميش السياسي والهيمنة العالمية لمنظومة غربية اخترقت المجتمعات المحلية بقسوة وعنف خلال القرن المنصرم وما زالت تمارس هذه الهيمنة باشكال مختلفة، سنظل ندور في فلك حوار طرشان يسدل الستار عليه دون ان تتبلور صورة ممارسات جديدة كبديل لفكر الاقصاء المشرعن له سعودياً والممارس على البشر داخل أرض السعودية ذاتها.
الضغوط الدولية على السعودية منذ احداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) تمخضت وولدت مبادرة عقيمة اول من رفضها طيف كبير من المجتمع السعودي ورموزه الدينية، ولم تنجب سوى طاقماً أميرياً يشد رحاله الى نيويورك يعتقد انه يمثل المسلمين جميعا وهو بالفعل لا يمثل الا ذاته ناهيك عن تمثيله لشعبه الذي ذاق الأمرين خلال عقود الفتح المبين وتوطيد اسس الدولة العتيدة. لنترك حوار الأديان لأصحاب الباع الطويل في التعايش مع الآخر الذين مارسوا فنه قبل ان يفتتنوا بتدبير المؤتمرات العالمية. سنجدهم في أزقة المدن العربية وقراها التي عرفت التعايش وجربته. ان نلتحق بموكب حوار الأديان دون ممارسة صلبة ونزج بديننا في صراع سياسي أو عملية تطبيع مع اسرائيل لن يوصلنا الى تعايش بل ستظل مبادراتنا حبراً على ورق ما ان يختتم الاحتفال وتحزم الحقائب ستعود المياه الى مجاريها ونستمر في غطرسة عمياء يمارسها اول من يمارسها الداعون لهذا المؤتمر ومن طبل وزمر له، وعلى رأسها القوى التي تتستر وراء خطاب الديمقراطية والحوار وتنتهك مقدسات الآخرين من القدس الى مكة.
ربما يكون الطريق طويلاً الى جائزة نوبل للسلام ولكن الممارسات الحالية قد تكفل تحقيق حلم وهمي ومهرجان إعلامي حتى هذه اللحظة قد فشل في تجييش حماس الكثيرين الذين ما زالوا يطرحون علامات استفهام كبيرة على مشروع مثقل بتاريخ مظلم وحاضر مجهول وتعايش مفقود.


كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

أهلا وسهلا

هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي

القائمة البريدية