2010/06/21
مشروع الولايات العربية المتحدة
اثارت تصريحات المفكر الكويتي عبدالله النفيسي حول اندماج الدول الخليجية في وحدة حقيقية زوبعة اعلامية وانقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض دون ان يحسم الجدل لصالح فئة معينة. ربما اعتمد النفيسي على مبدأ مواجهة الخطر الخارجي والذي حصره في ايران ليطالب بمشروع وحدة حقيقية تتجاوز الخطوات القصيرة التي بدأت بتأسيس مجلس التعاون الخليجي في الثمانينات والذي كان هدفه حينها خلق جبهة خليجية للتعاطي مع نفس الخطر الحالي.
من المؤكد ان تصريحات النفيسي تعكس وعيا حقيقيا بالمعضلة الامنية الخليجية اولا والتركيبة الديمغرافية المختلة في الدول الصغيرة ثانيا وانعدام التنسيق المكتمل في السياسة الخارجية ثالثا مما دفع الى طرح مشروع اندماج في هذه المجالات دون التنازل عن الاستقلالية المحلية لكل دولة وخصوصيتها التاريخية.
لا يمكن لاحد ان يشكك في مشروع الدكتور النفيسي حيث ان له باعا طويلا في مراقبة الشأن العام العربي والخليجي وربما ما عبر عنه يعكس التفكير السائد في بعض الاوساط الخليجية المحدودة. وسيظل مشروعه يصطدم بفكر المتقوقعين في زواياهم المختلفة الصغيرة. وسيرى هؤلاء في مثل هذا المشروع فرصة للدولة الاكبر وهي السعودية ان تلتهم الدول الصغرى وتفرض ارادتها عليها من منطلق الحجم وتعداد السكان فقط ولهم الحق في التوجس من هذا الطرح الوحدوي في هذه اللحظة التاريخية حيث تتباين الانظمة السياسية وتختلف في درجة انفتاحها. ولكن ان كانت هناك فرصة للوحدة الحقيقية فهي تعتمد على معطيات كثيرة منها التواصل الشعبي والتراثي القديم بين دول رسمت حدودها في فترة قصيرة وتم رسمها وتحديدها ليس ليعكس التواصل البشري بل من منظور الثروة النفطية واماكن وجودها لذلك لم يكن من المستغرب ان تبقى دول الخليج من اكثر الدول التي خاضت تجربة صعبة في تحديد جغرافيتها وحل النزاعات الحدودية بينها. وان كان التجانس الثقافي والامتداد البشري من العوامل المساعدة على ارساء دعائم وحدة حقيقية الا ان العوائق تبدو كبيرة وقد يصعب تجاوزها في المستقبل القريب. من هذه العوائق اولا: التباين في التطور السياسي لهذه الدول يجعل اندماجها في وحدة حقيقية عقبة يجب تجاوزها قبل التفكير في المشروع الكبير. خذ مثلا حالة الكويت وقارنها بالسعودية حيث تتمتع الاولى ببرلمان منتخب وتبقى الثانية متأخرة في هذا المجال ومكتفية بمجلس شورى يعين من قبل الحاكم. وهناك امثلة كثيرة تتعلق بالممارسة السياسية المتباينة وغير المتجانسة في الدول الباقية. ومن الممكن ان تبنى وحدة اقتصادية بين كتل غير متجانسة قد يتمم بعضها البعض الا ان الوحدة السياسية الحقيقية قد تكون بعيدة المنال في ظل انظمة تنعدم فيها ابسط معطيات الديمقراطية. وقد جرب العرب في السابق مشاريع وحدوية في ظل انظمة القمع وقد تبين سريعا انها تجارب فاشلة غير قادرة على الاستمرارية لانها تفتقد لابسط مقومات الوحدة الا وهي تمثيل المجتمع في مؤسسات راسخة شفافة. ثانيا: ان اي وحدة يكون هدفها آنيا يتمثل في مواجهة خطر خارجي لا تكتب لها الاستمرارية والنجاح اذ انها سرعان ما تتلاشى عند زوال الخطر الخارجي وتعود النزعات الانفصالية للبروز من جديد. ربما يوحد الخطر الخارجي لفترة قصيرة لكنه ليس بعامل تستطيع الدول الاعتماد عليه في الامد البعيد. لذلك يجب ان تكون معطيات الوحدة اكبر بكثير من آنية الخطر الحقيقي او الوهمي الذي تواجهه الدول عادة في اي مرحلة من مراحلها التاريخية. ثالثا: ان التباين في التعداد السكاني بين دول الخليج بالاضافة الى الموارد الاقتصادية التي تتمتع بها يجعلها تواجه عدم توازن واضح مما يدفع البعض للتخوف من هيمنة الدول الكبرى ديمغرافيا والاقوى اقتصاديا على الدول الصغرى. وقد ظهر ذلك في عدة مواقف ادت الى تعثر خطوات ومشاريع تبناها مجلس التعاون لكنها اصطدمت بالتوجس من هيمنة الدول الكبرى. ولهؤلاء الحق في التخوف من مشاريع وحدوية تعطي للدول الكبرى فرصة نادرة لتفرض مشاريعها هي على جاراتها في اطار وحدة حقيقية. رابعا: وربما هذا العائق الاكبر الذي ينطلق من كون المجموعة الخليجية لا تزال حتى هذه اللحظة بحيرة امريكية امنية. وليس سرا ان كل الدول الخليجية تعتمد اعتمادا كليا على الولايات المتحدة في موضوع امنها الخارجي والداخلي ومن الصعب في ظل هذه الحقيقة ان تنجح وحدة سياسية تحت مظلة خارجية وربما تبارك الولايات المتحدة اي مشروع وحدوي هذه اللحظة خاصة ان كان موجها ضد ايران تماما كما باركت مشروع تأسيس مجلس التعاون الخليجي في الثمانينات الا ان وحدة الدول تعتمد اولا واخيرا على استقلالية داخلية وقدرة على توفير الامن المحلي والاقليمي بعيدا عن حلقات الهيمنة العالمية وهذا ما تفتقده كل الدول الخليجية. ولا يضر اي استقلالية امنية ان تعتمد على التكنولوجيا المستوردة والمتطورة في بقاع العالم الا ان الوضع في الخليج يتجاوز حدود استيراد الآلة العسكرية لما هو ابعد من ذلك بكثير حيث تنتشر القواعد العسكرية في معظم هذه الدول.
لقد طرح الدكتور النفيسي مشروعا قيما يحتاج الى دراسة وتمحيص وقد يبدو حلما في هذه المرحلة الا انه قد يتحقق ان انتفت العوائق المذكورة وتطورت التركيبة السياسية والامنية الخليجية الى مستوى يجعل من الوحدة امرا حتميا وليس حلما بعيدا. ولكن تبقى منظومة الوحدة الخليجية منقوصة ان هي ظلت محصورة في نطاق الدول النفطية ويجب ان تتعدى هذا الاطار لتصبح وحدة شاملة للجزيرة العربية كلها بما فيها اليمن. اذ ان دخول اليمن في اطار المشروع الوحدوي سيعيد التوازن الديمغرافي لهذه الوحدة خاصة وان دول الخليج لا تزال تعاني من اختلال في نسبة المواطنين مقابل العمالة الاجنبية ومن الصعب تصور وحدة خليجية يظل اليمن فيها خارج اطار الاحتواء الفعلي حيث ان روابطه وامتداده البشري في معظم هذه الدول حقيقة قديمة من الصعب تجاوزها مستقبليا. وان كانت مؤجلة حاليا.
وستبقى معضلة علاقة الكتلة الموحدة في الجزيرة العربية مع باقي الدول العربية قائمة اذ ان الكثير في الوطن العربي سينظرون لمثل هذا المشروع النظري حاليا بكثير من الريبة وسيعتبرونه تملصا من مشروع اكبر بكثير كمشاريع الستينات والشعارات التي طرحت حينها خاصة تلك الداعية الى تكتل الناطقين بالعربية من المحيط الى الخليج. وقد يعتقد البعض ان التجارب السابقة قد فشلت او افشلتها الظروف التاريخية الا ان صداها لا يزال يتردد في الاوساط العربية وستبقى حلما قائما ما زالت المنطقة العربية ترزح تحت مشاكل امنية واقتصادية حقيقية هذا بالاضافة الى الاحتلال الاجنبي في اكثر من منطقة.
وليس من المقبول ان يتحول مشروع وحدة الجزيرة العربية الى فرصة تتملص فيها هذه الدول من مسؤولياتها تجاه العرب الآخرين اذ ان هؤلاء يشكلون البعد التاريخي والثقافي والامتداد الاقتصادي للجزيرة العربية وبدونهم لن تستطيع الجزيرة العربية وحدها ان تضمن استمرارية وحدتها فغيابهم عن منظومتها يزج بها في حالة تقوقع وانفصال عن محيطها الكبير وبعدها التاريخي القديم وستكون وحدها غير قادرة على خلق كيان مستقر سياسيا وقوي اقتصاديا وثري حضاريا وثقافيا. وربما وحدة الجزيرة العربية تكون حافزا يعجل في بروز تكتلات اخرى في المنطقة تستطيع ان ترسي دعائم وحدوية مبنية على ترابط تاريخي ومصالح اقتصادية في بلاد الشام وشمال افريقيا تساهم بدورها في التعجيل في مشروع الوحدة القديم الذي طرح في عقود سابقة وتعثر امام عقبات كبيرة اجهضت المشروع قبل ان يكتمل. وتبدو المرحلة الحالية التي يمر فيها العرب من اكثر المراحل حرجا اذ ان المنطقة العربية كلها قد خرجت من المعادلات الدولية وبرزت على الساحة الاقليمية قوى اخرى استطاعت ان تثبت مركزيتها واهميتها خلال العقود السابقة بينما ظل العرب على هامش السياسة الدولية غير قادرين على فرض مصالحهم وهذا يرجع الى حالة التشرذم الحالية ومنطق الدويلات القائم على الفردية في القرار والاستراتيجية وقد اثبت هذا المنطق انه لا يصلح لمواجهة الازمة الحالية وحالة التهميش والابعاد عن المحافل الدولية كقوة موحدة وفعالة.
لقد فتحت آراء واطروحات الدكتور النفيسي الباب للحوار والنقاش في موضوع يفضل الكثيرون ان يبقى مغلقا حتى اشعار آخر الا ان جرأته في الطرح قد تصدم البعض لكنها ستعيد الجدل والحوار واللذين بدونهما لا تستفيق الامم من غيبوبتها لتواجه قرارات مصيرية تعيد لها كرامتها ومركزيتها في المجتمع الدولي علها بذلك تحقق مكاسب اكبر بكثير من مكاسب الشعارات الكبيرة. ان الحوار فقط هو الطريق الاول في مسيرة طويلة قد تتعثر وتتراجع الا انها تسير في الاتجاه الصحيح وكل ما ينقص هذا الحوار هو اطار مؤسساتي يضمن استمراريته وارادة قيادية تتحمل عبء المشروع بعد ان تقتنع بفائدته وأهميته. وسيبقى مشروع الولايات المتحدة العربية المتحدة مشروعا حضاريا ربما يكون هو مفتاح نهضة قادمة.
كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
أهلا وسهلا
هذا هو الموقع الشخصي للدكتورة مضاوي الرشيد، شكرا لكم على الزيارة ونتمنى أن تكون المعلومات الموجودة في هذا الموقع مفيدة لكم، الآراء المنشورة هنا هي آراء شخصية وهي لا تمثل أي تنظيم أو كيان غير الدكتورة مضاوي
بحث
أقسام الموقع
الأرشيف الشهري
- June 2010
- May 2010
- April 2010
- March 2010
- February 2010
- January 2010
- December 2009
- November 2009
- October 2009
- September 2009
- August 2009
- July 2009
- June 2009
- May 2009
- March 2009
- February 2009
- January 2009
- December 2008
- November 2008
- October 2008
- September 2008
- July 2008
- June 2008
- May 2008
- April 2008
- March 2008
- February 2008
- January 2008
- December 2007
- November 2007
- October 2007
- September 2007
- August 2007
- July 2007
- June 2007
- May 2007
- April 2007
- March 2007
- February 2007
- January 2007
- December 2006
- November 2006
- October 2006
- September 2006
- August 2006
- July 2006
- June 2006
آخر الإضافات
- مشروع الولايات العربية المتحدة
- الفراغ العربي والبحث عن البطل
- السعودية تترفع عن لعب الادوار في المنطقة
- الحدث في السعودية امرأة
- قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس
- الكوارث السعودية بين الخرافة والبطانة
- السعودية وعقدة العراق
- السعودية: سوق شعوذة وسحر
- السعودية من دولة توحيد الى دولة علاقات عامة
- السعودية: الاسلاميون والليبراليون بين الشيعة والمرأة
- السعودية: فتاوى الصراع على هوية الكيان
- لقاء الدكتورة مضاوي مع البي بي سي
- مقابلة الدكتورة مضاوي مع موقع buzberry
- نحو منظومة أمنية جديدة للخليج العربي
- الكويت والسعودية: قهوة صباحية على ‘محماس’ سعودي